فهرس الكتاب

الصفحة 692 من 781

فلنتكلم الآن في التثبيت، فنقول: يقال تثبيت وتفكير وضمير واعتبار وبرهان، وبينها فروق. فالتثبيت: هو قول يراد به إيقاع التصديق بالمطلوب نفسه، وهو يعم جميع ذلك. لكن الضمير هو ما كان منه قياسا، والاعتبار الخاص بالهندسة، فإنه مغالطة في الهندسة وخروج عن الهندسة؛ بل يجب أن يكون القياس البرهاني من جنس الأمر ومناسبا له؛ إنما القياس المقبول الغير المناسب هو للجدل، وكيف لا وله وللممتحنة أن تؤلف من الكاذب المتسلم، فكيف من غير المناسب؟ وغير المناسب وإن كان جدليا فهو مغالطة في البرهان؛ فإن المغالطة في العلوم البرهانية هي أن تورد مقدمات على أنها صادقة ومناسبة ولا تكون كذلك، وتسمى هذه المغالطة سوفسطائية. والمغالطة في الجدل هي أن تورد مقدمات على أنها مشهورة ومتسلمة ولا تكون كذلك، وتسمى هذه المغالطة ممارية ومشاغبية. وهذا المشاغبي أيضًا إذا أورد مقدماته، ليست هي التي تسلمت بل شبيهة بالتي تسلمت - وإن اتفق أن كانت صادقة وعقد منها قياس هو بالحقيقة قياس - فترويجها على المحاور على أنه واجب مما سلمه فيه، فهو مغالطة عليه؛ لأنه وإن كان حقا فهو حق في نفسه، لا بحسب التسلم من المخاطب. ويجب أن تفهم هذا الموضع على هذه الجملة؛ ولا تلتفت إلى ما يورده بعض متأخري الفلاسفة.

والسوفسطائيون هم الذين يأتون بالقياس، لا من الأمور المناسبة، ولا من المتسلمة من ذات الأمر، لست أعني الذاتية، بل الذي يتسلم من مقدمات وإن كانت حقة؛ فإنها إذن لم تكن بالحق من ذات ما ينازع فيه، لا أن تكون شيئًا غريبا مشبها به فيما تسلم منه. وأما الذي يأتي بما تسلمه من ذات الأمر فهو الجدلى، فإن الجدلى إنما ينتج أن الوضع كذب عن مقدماته بحسب تسليم المجيب إياها. والمحاورة الامتحانية كأنها جزئية من الجدلية أيضًا، وفي حكمها، كما علمت.

وبالجملة فإن تلك صنائع تتكلم في ذات الواجب؛ وكل الصنائع موضوعها الحق والعدل. ولولا ضعف المجيب لما كان يتم للسوفسطائية صناعة، التي هي صناعة لا تنتهي إلى غرض محصل واجب؛ فإنها وإن حاولت المناقضة وتكلفتها، فإنها غير محققة لا تنال ما تتكلفه. وأقل عيبها أنها لا تنال ذلك فلا تفيد؛ وكيف لا تكون كذلك وهي مع أنها لا تفيد، وليست بسبب للفائدة، فقد تعسر على المستفيد الاستفادة، وتشوش على العالم العلم، بما تورد من الشك. فهذه صناعة معدة نحو الظن والتخييل والمحاكاة، ومبتدئة منها. وبذلك يروج على السامع وعلى المجيب، وأشياء تولدها الأسباب المذكورة الثلاثة عشر، إما بإنفرادها بعضها، أو باجتماعها إن كانت هي أسباب الغلط. وأسباب الغلط هي أسباب القياس المغالطي الذي يقبله من يغفل عن الضلالة فيروج عليها لجزءي آخر على أنه مثله. وأما الاستقراء فنورد فيه الجزئيات على أن الكل هي بعينها، وإن لم يكن كذلك. فإن استوفيت لقسمتك الجزئيات، صار ذلك كما علمت قياسا، لا استقراء، أو كان ضربا آخر من الاستقراء. وبيان ما قدمنا من هذا المعنى على سبيل المثال أنك إذا حكمت أن كل إنسان يسرف يفتقر، فقلت: مثل فلان وفلان، فإن عنيت أنك تنقل حكم فلان إلى كل واحد من أشكاله من الناس أو إلى الانسان العام للمشاكلة فهو بعد تمثيل.

فأما إن لم تقتصر على حكم الممثالة، بل أوهمت أنك بتعديدك ما عددته، عددت الكل، كأنك اكتسبت عموم الحكم لكثرة المعدودات، كان كأنك قلت: كل انسان فهو فلان وفلان، حتى تكون كأنك عددت كل انسان، أو عددت ما هو مقام كل انسان وهو الكثير. فحينئذ لا تكون حكمت على كل واحد، أو على الكل، بحكم وجدته فيما يشاكله فقط، بل بحكم يعم الكل، أو ما هو كالكل فيه، وهذا هو الاستقراء.

فقد علمت إذا أن التمثيل كيف يفارق الاستقراء في ايجاب حكم كلي، وعلمت أن الاعتبار أنفع في الخطابة. ولذلك ما يقل اعتراض الشغب فيه، ويكثر في الضمير. ويشترك المثال والضمير في أن كل واحد يفيد إقناعا، أي يجعل شيئًا، لم يقنع به، مقنعا به. فإن كل مقنع: إما مقنع في نفسه كما يسمع، وإما مقنع في غيره ناقل إليه. لكنه ما لم يكن مقنعا في نفسه لم يقنع في غيره. والمقنع في نفسه هو المحمود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت