على أنا لا نمنع أن يكون المجيب قياسا، ولا نوجب أن يكون كل قياس إنما هو للسائل. فإذن في قولنا:"ملكة يقتدر بها على إيجاد القياس على النحو المذكور"قد فرغ عنه من حال السائل من حيث هو سائل، بل بقى علينا حال المجيب من حيث هو مجيب.
وحال المجيب، من حيث هو مجيب، الذب. والذب هو أن لا يسلم ما يتألف منه مقاومة مقدمة، أو لا يأتي بمقدمة منتقضة، أو لا يسلم ما يتألف منه ما ينتج نقيض وضعه. وبالجملة أن لا يؤخذ منه ما يؤدي إلى نقض شيء مما يتم به فعله. وهذا النقض إما نقض مقدمة قياسه تلك الكلية التي كأنها الأصل، بجزئي يخالفه، فتكون من الشكل الثالث. فلا يجب أن يسلم ما يمكن أن ينقض به مقدمته وهو لا يشعر، أو ينقض مقدمة قياسه بقياس لي على سبيل نقض بالجزئي، بل على سبيل إنتاج المقابل؛ لأنه ربما كانت المقدمة في قياسه جزئية، فلا تنقض بل أصلا بقياس. فلا يجب أن يسلم ما يؤلف على يؤلف على مقابل مقدمته، وإن لم يكن نقضا وهو لا يشعر، أو تنقض مذهبه بقياس يسدد نحو الوضع المقدمة؛ فلا يجب أن يسلم أيضًا ذلك.
وهذه ملكة مقابلة لملكة القياس السائلي إذ هذه ملكة فيما لا ينفعل، لا فيما يفعل.
فإذن هذا الرسم مطابق لما يدل عليه اسم الجدل؛ وهو أن تكون لنا قدرة على كمال الأمر في المخاطبة التي قوام أمرها على القياس الجدلي، بأن ينفذ عامله كما يؤثره السائل، أو يرد باطله كما يؤثره المجيب. فبالحقيقة والواجب ما زيد في رسمه فقيل: وأن نكون إذا أجبنا لم نأت بمتناقض. وهذه الملكة بالحقيقة صناعة من حيث قلنا، وقوة من حيث تعمل في متقابلين.
فصل (د)
وفي تعريف الموضع والمقدمة وأسباب الشهرة، وإعطاء السبب في تسمية هذا الكتاب بالمواضع.
قد ظن قوم أن القياسات الجدلية إنما هي قياسات جدلية بأن تكون موضوعاتها مقدمات أكثرية الصدق. وظن آخرون أن الصناعة الجدلية إنما هي صناعة جدلية بأنها تنتج الحق في أكثر الأمر. وهذه كلها ظنون فاسدة؛ فإن القياس الجدلي إنما هو قياس جدلي بأن مقدماته متسلمة أو مشهورة. وليس من شرط المشهور والمتسلم أن يكون لا محالة صادقا؛ بل كثيرا ما يسلم الباطل؛ وكثيرا ما يشتهر ما هو كذب؛ وكثيرا أيضًا ما يشتهر ما هو حق مطلق؛ وكيرا ما يكون الحق غير بيّن بنفسه في اعتبار البيان العقلي الأول، ويكون مشهورا. وليس يتفق أن لا تقع الشهرة إلا لما هو أكثري الصدق؛ أو الحق الصريح لا يكون مشتهرا.
وأما الظن الآخر، وهو أن الصناعة الجدلية إنما هي صناعة جدلية بأن أكثر قياساتها تنتج الحق، فهو تحديد للصناعة بأن أكثر أجزائها كذا. وهذا تحديد فاسد،بل الصناعة تُحد بما يجب أن يكون موجودا في كل أجزائها التامة.