وأما سائر العوارض، فإِذْ ليست مما يتقدم تصورُها في الذهن تصور الماهية فيه، ولا أيضا هي مع تصور الماهية، بل توابع ولوازم ليست مما يحقق الماهية، بل مما يتلو الماهية، فالماهية تثبت دونها، وإذا ثبتت دونها، لم يتعذر أن تعقل الماهية، وإن لم تتقدم، أو إن لم يلزم تعقلها. وقد علمتَ أنى لست أعنى في هذا التعقل أن يكون، إذا تصورت الشئ بالفعل ملحوظة إليه، يكون مع ذلك تصورت أفراد المقومات له أيضا بالفعل، فربما لم تلحض الأجزاء بذهنك، بل أعنى بهذا أنك إذا أخطرت الأمرين معا بالبال، لم يمكنك أن تَسْلب الذي هو مقوِّم عن الذي هو مقوَّم له سلبا يصح معه وجود المقوَّم بماهيته في الذهن من دون وجود مايقوِّمه فيه. فإذا كان كذلك، فيجب أن لايمكنك سلبه عنه، بل يعقل وجوده له لامحالة. وأما العوارض فلا أمنع صحةَ أستثباتك في الذهن معنى الماهية، ولايُعقل وجودها للماهية، بل يسلبها سلبا كاذبا. ولا أوجب ذلك أيضا في كل العوارض، فإنَّ من العوارض مايَلْزَم الماهية لزوما أوليا بيِّنا ليس بواسطة عارض آخر، فيكون سلبه عن الماهية مع استثبات الماهية وإخطارهما معا بالبال مستحيلا، إذا كان ليس هو له بسبب وسط بينه وبينه. وذلك مثل كون المثلث بحيث يمكن إخراج أحد أضلاعه على الاستقامة توهما، أو معنى آخر مما يشبه هذا مما هو عارض له. وقد يمكن أن يكون وجود العارض بواسطة، فإذا لم تخطر تلك الواسطة بالبال، أمكن سلبه، مثل كون كل زاويتين من المثلث أصغر من قائمتين. ولولا صحة وجود القسم الثاني لما كانت لوازم مجهولة؛ ولولا صحة القسم الأول لما كان ما نُبَيِّن لك بعد من إثبات عارض لازم للماهية بتوسط شىء حقا. وذلك لأنَّ المتوسط، إِنْ كان لايزال يكون لازما للماهية غير بَيِّن الوجود لها، ذهب الأمر إلى غير النهاية؛ وإِنْ كان من المقومات، صار اللازمُ المجهولُ - كما تعلم - لازمًا لهذا المقوم، لا مقومًا، إذْ مقوم المقوم مقومٌ، وكان لازما آخر الأمر بلا واسطة. فما كان من اللوازم غير بيِّن للشىء صح في الذهن أن يتوهم الشىء مرفوعا عنه ذلك اللازم من جهةٍ، ولم يصح من جهة. أَمَّا جهة الصحة فمن حيث أنَّ تصوُّرَه قد يحصل في الذهن مع سلب اللازم عنه بالفعل، واعتبار هذه الصحة والجواز بحسب الذهن المطلق. وأَمَّا جهة الاستحالة فَأَنْ يُتَوهم أنه يجوز أن لو كان يحصل في الأعيان، وقد سلب عنه فيها اللازم، حتى يكون مثلا كما يصح أن لو كان يكون هذا الشخص موجودا، ولا الندب الذى لزمه في أصل الخلقة، فصار يصح أيضا أنه كان يكون هذا المثلث موجودا، ولا زاويتاه أقل من قائمتين؛ فإِنّ هذا التوهم فاسد لا يجوز وجود حكمه، وليس كالمذكور معه. واعتبار هذه الصحة والجواز بحسب ذهن مطابق للموجود.
فقد بان لك من هذا أنّ من الصفات ما يصح سلبه وجودا، ومنها ما يصح سلبه توهمًا لا في الوجود، ومنها ما يصح سلبه توهما مطلقا، ومنها ما لا يصح سلبه بوجه وهو عارض، ومنها ما لا يصح سلبه وهو ذاتى، لكن يتميز من العارض بأن الذهن لا يوجب سبقَ ثبوت ما الذاتى له ذاتى قبل ثبوت الذاتى، بل ربما أوجب سبق ثبوت الذاتى. وأما العرض فإنّ الذهن يجعله تاليا، وإن وجب ولم ينسلب.
فقد اتضح لك كيف لم يُحَصِّلْ معنى الذاتى والعرضى من اقتصر على البيانين المذكوريين.
إنّ الدال على الماهية قد قيل فيه: إنه هو الدال على ذاتى مشتركٍ كيف كان، ولم يبلغنا ما هو أشد شرحا من هذا. فلننظر الآن هل المفهوم من هذه اللفظة، بحسب التعارف العامى، هو هذا المعنى أولا، وهل ما تعارفه الخاص واتفقوا عليه بسبيل النقل يدل عليه ؟ فإنَّا إذا فعلنا هذا، اتضح لنا غرض كبير.