وبالجملة فإن المعرفة اما عامية، وإما خاصية. وايضا فإن المعرفة إما معرفة بالقوة، وإما معرفة بالفعل. ولهذا السبب يمكن ان تكون عارفين بالكلي ونجهل الجزئي، لا الجهل الذي هو عدم العلم فقط، بل الجهل المضاد للعلم. مثلا بان يكون علمنا أن كل خس مرطب، ثم رأينا خسا فحسبناه مجففا فظننا انه جرجير أو غير خس، فنكون قد اخطأنا فيالصغرى، لا جهلناه فقط. وربما ظننا أن خيرا ما ليس بخير، كالشجاعة، أنها شر؛ وكنا علمنا أن كل شر ما فليس بخير، فيكون ظننا أن خيرا ما ليس بخير. وسواء عقد في خير مثلا انه شر ما، أو انه وذلك الشر واحد. وكذلك سواء عقد في ذلك الشر وشر آخر انه واحد، وعقد ان ذلك الشر، ذلك الشر الثالث، بل هذا أشهر تأكدا لانه يدل على المساواة. لكن مذهب الغلط واحد. وربما ينتج لنا صواب عن مثل هذا الخطأ بأن يظن بخير ما أنه شر، ويظن بذلك الشر انه خير، فنكون قد انتجنا ان خيرا ما خير، فنكون انخدعنا في المقدمة دون النتيجة. وقد يعرض للانسان من جهة اخرى علم وظن بشئ واحد متقابلين معا من جهة، وليس معا من جهة. مثل أن يكون الذهن قد يصدق من جهة القياس أن ليس خارج العلم خلاء ولا ملاء. ثم انه اذا اعرض عن ذلك القياس ونظر في الامر نفسه، جاءت القوة الوهمية فرسمت وجوب أن يكون هناك خلاء أو ملاء، فتتبعها النفس فتظن أن هناك خلاء أو ملاء على سهيل غفلة، كما علمت. ثم اذا تذكرت القياس انقلعت عن طاعة الوهم. فيكون هناك من جهة علم وظن معا، ومن جهة ليس. أما الجهة التي ليس بها العلم والظن معا انه يستحيل ان تخطر جميعا بالبال، اعني صحة ان ليس هناك خلا او ملاء من القياس اليقيني الموجب له، ثم تكون النفس ظانة ان هناك خلاء او ملاء؛ وان كانت القوة الوهمية مصممة على ذلك اذ ليس الوهم والظن شيئا واحدا. وأما الجهة التي يكون بها هذا العلم والظن معا، فلان هذا العلم قد اكتسب وحصل، وليس يحتاج أن يستأنف طلبه؛ كالمشكوك فيه بقياس يستفاد والظن طرأ على هذا العلم، وهو مكتسب، ولكنه معرض عنه. وفرق بين المكتسب المعرضعنه وبين المجهول المطلق. فإن جميع مايعلمه الانسان لايكون نصب عينه. ومن هذه الجهة ما يعرض للانسان من الاختلاطعند الظنون الفاسدة فيكون الانسان متيقنا من جهة العقل انه لاضار له في الموضع المظلم، ويظن من جهة الخيالات والظنون الفاسدة أن فيه ضارا له فيجبن عن خوضه. كأن الوهم يخيل شيئًا، وكأن النفس تنقاد لذلك المتخيل فيظنه ظنا أو يعتقد عقدا. ولو كان لايظنه ولا يعتقده لما كان نفس التخيل بوحشية، فإن الانسان قد تخيل امورا هائلة، فاذا لم يكن معها ظن ما لم ينفعل عنها شيئا، فيكون العقل وخصوصا الحيوانية تكون كأنها تؤثر الاعراض عن المعقول.
(ر) فصل
وههنا اعتبارات تعرض للقياس والمقدمات بسبب أحوال في الحدود. فنقول: انا اذا انتجنا ان كل ج آ، من قولنا: كل ج بَ وكل بَ آ. ثم انعكس كل ج أ. فصح أن كل آ ج. فيلزم أن تنعكس الصغرى. وذلك لآنك تقول: كل بَ آ،وكل آ ج، فكل بَ ج. ويلزم أن تنعكس الكبرى لأنك تقول: كل آ ج، وكل ج بَ، فكل آ بَ. فان كانت الكبرى سالبة، فقلت: كل ج بَ، ولاشئ من بَ آ، فيلزم انه لاشئ من ج آ، كانت الكبرى مما ينعكس لامحالة. فكما تنعكس الكبرى، فكذلك تنعكس النتيجة لانعكاس الكبرى لاعلى سبيل وجوب عن تأليف؛ وإن كانت الكلية السالبة تنعكسلنفسها دائمًا. وأما كيف تنعكس بسبب انعكاس الكبرى، فلأن الكبرى اذا انعكست صارت الى الشكل الثاني، وصلحت ان تكون صغرى، فأنتجت عكس النتيجة. وايضا ان انعكست الصغرى وعكست النتيجة السالبة، انعكست الكبرى السالبة. لانه اذا كان كل بَ ج، وقلت: ولا شئ من آ ج، وهو عكس النتيجة، انتج: لاشئ من آ بَ. فان لم تنعكس النتيجة، أنتج الكبرى بحالها. فهذا ما كان بسبب انعكاس النتيجة او المقدمة.