فهرس الكتاب

الصفحة 565 من 781

وأما الأداة الرابعة فهي الاقتدار على أخذ التشابه. ويجب أن يكون ذلك متطلبا في الأشياء البعيدة الأجناس المختلفة جدا. فمن ذلك ما يكون بمعنى مفرد، مثل تشابه الجوهر في أنهما لا ضد لهما، ومنه ما يكون بالنسبة، كما يقال إن نسبة الحس إلى المحسوس هي نسبة العلم إلى المعلوم، أو نسبة البياض إلى البصر كنسبة السواد إليه، أو نسبة البصر إلى البياض كنسبة البصر إلى السواد، ونسبة العقل إلى الخيال كنسبة الخيال إلى الحس.

وبالجملة إما أن لا يكون في الحدود مشترك، أو يكون واحد في كليهما منسوب أو في كليهما منسوب إليه، أو في أحدهما منسوب وفي الآخر منسوب إليه. ويجب أن يكون هذا كله في الأشياء المتباعدة. وأيضًا فغن الأشياء المتجانسة إذا كانت بعد التجانس متباينة جدا، كالإنسان والثور، وكالبياض والسواد، فإن ارتياد ما يجمعهما بعد التجانس نافع في الدربة.

فصل (ى)

فالأداة الأولى نافعة في أن يكفي المجيب والسائل المُلاجّة فيما لا خلاف فيه؛ فربما كان ما يقوله المجيب غير قابل في المعنى لما يسوق إليه السائل كلامه، كمثل كثير مما وقع الخلاف فيه بين الخطباء والمشاغبين في زماننا، إذ يقول أحدهم:"إن الله يرى"، ويقول الآخر:"إن الله لا يرى". والذي يقول: إن الله لا يرى، يعني به أنه ليس مدركا بالبصر إدراك شيء مقابل ذي كيفية؛ والآخر يسلم هذا لو صرح به له، لكنه يقول:"يُرى"ويعني به معنى آخر لا يقدر على النطق به؛ ثم يتشاغبان على العمى. وكذلك إذا قال أحدهما:"كلام الله مخلوق"وعني به هذا المسموع، وقال الآخر:"كلام الله غير مخلوق"ويعني به شيئا آخر غير ذلك لا يتصوره ولا يصوروه للآخر؛ ثم يتشاغبان. والاقتدار على تفصيل الاسم المشترك يعين في هذا الباب معونة عظيمة، ويكفي اللجاج فيما لا يهم.

وأيضًا فإن المجيب إذا كان اللفظ المشترك؛ ثم اخذ السائل بمعنى واحد أهله للعبث به والسخرية منه؛ فكثيرا ما يحاول أن يقيس على معنى فيصرف العبارة عنه إلى معنى آخر وهو لا يشعر به.

وأيضًا فإنا نقتدر بذلك على التحرز من أن تجري علينا مغالطة باستعمال اللفظ المشترك المغالطة التي ستدل على وجوهها في الفن الذي يلي هذا الفن.

وإن شئنا أن نغالط غيرنا على سبيل القياس الامتحاني أمكننا؛ فإنه يصلح لنا أيضًا أحيانا أن نستعمل المغالطة ونمتحن بها قوة الجدلي، كما يصلح أن نستعملها فنعلم به قوة المتعلمين.

وأيضًا فإن كثيرا من الآراء المدنية قد يعلم المدبر للمدينة كنه الحق فيها، ويكون الأصلح أن يعتقد الجمهور خلافه، وأن يقنعوا أو يقنع الجدليون منهم فيه بالأقاويل الجدلية. فإن تبغ فيهم من لا يصلح للتدريج، وكان مع ذلك قوي الجدل قوي الخاطر؛ مقتدرا على ما يبنى على المشهور، فطنا بما في المشهور من العوارف فطنة طبيعية، لم يؤمن أن تعود محاجته بوبال. فيجب أن يتوخى معه كل وجه من الإلزام، فربما نفعت معه المغالطة، كما وقع لسقراط مه"ثراسوماخوس"حين تجادلا في أمر العدل، إذ غلطه"سقراط"باسم مشترك فأفحمه. وليس ينتفع بذلك المجيب وحده، ولا السائل وحده؛ فإن كلا الفريقين ينتفعان به.

أما المجيب فإذا تسلط عليه السائل بقياس يعمله على ما يحسبه مقابل وضع المجيب، ويكون مقابله في المعنى غيره، فإذا بين له ذلك أوضح عجزه وعرف قصوره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت