فهذه الأشياء مما قيلت في التعليم الأول وفي الشروح. وقد كان وعد التعليم الأول أن يرينا قياسين على إن ولم في علمين مختلفين، وهذه الأمثلة التي أُردت في إنجاز ذلك الوعد. ومآخذ التفاسير لها إنما ترينا أمرين: أحدهما أن يكون اللم معلوما بقياس، والإن موجودا بالحس. والثاني أن يقع الإن في غير ما وقع اللم. فإذن هذه الأمثلة إما أن ترينا قياسين على مختلفين، وإما أن ترينا أمرين أحدهما قياس والآخر غير قياس. والذي أظنه حلا لهذه الشبهة هو أن المعلم الأول لم يعن بقوله"يحس الأمر"أن يكون حاسا بالنتيجة والمطلوب، بل تكون عنده مقدمات مأخوذة من الحس تنتج المطلوب"إنه"دون"لِمَ هو": فإن أصحاب العمل لهم مقاييس عن مقدمات تجريبية وامتحانية، وبينهم محاورة في إثبات وتبكيت مبنية على ذلك: مثلا كما يقول صاحب التأليف السماعي إن هذه النغمة ليست موافقة لهذه النغمة من أجل أن الوتر الفلاني كذا، ومن أجل أن النغمة الفلانية كذا. فتكون مقدمات حسية ينتج منها نتيجة حسية يتبين بها أن شيئا كذا أو ليس كذا. وكذلك يقول صاحب صناعة الملاحة"ليس هذا وقت أن يكون كوكب كذا في ذلك الموضع لأن الكوكب كذا بعد لم يُشرق". ويقول صاحب العلم الطبيعي"إن هذه القوس ليست نصف دائرة لأن الشمس )107ب ( ليست على الأفق"- فيكون أما أولئك فقد أخذوا مقدمات امتحانية، وأما هذا فقد أخذ مقدمة مسلمة عن على بعيدة غير بينة بالعلة القريبة: فإن كون الشمس على الأفق ليست على قريبة، إنما العلة القريبة لذلك وقوع قطب القوس على الأفق. بل إنما بيان مقدمته بالعلة القريبة في علم المناظر، فيكون معنى أمثلة المعلم الأول على هذا الوجه.
قد بيّن المعلم الأول أن الشكل الأول أصح الأشكال وأكثرها إفادة لليقين لوجوه ثلاثة: أولها أن العلوم التعاليمية إنما تستعمل هذا الشكل في تأليفات براهينها، ويكاد كل علم يعطي في مسألة برهان لمَ فإنما يستعمل هذا الشكل في الأكثر: وذلك لأن حقيقة هذا الشكل أن تكون العلة موجودة للحد الأصغر فيوجد له معلول، فإن هذا تأليف الشكل الأول: إذ يكون قد أوجدت العلة للأصغر وتبع فيه المعلول العلة. فإن كان البيان البرهاني لا يجاب الكلى، فلا يكون إلا بالشكل الأول؛ وإن كان بالسلب فقد يمكن في الشكل الثاني، ولكن يكون قد غُيّر هذا النظام لأن الحد الأصغر يكون أعطى العلة وحملت عليه العلة ثم لم يجعل المعلول تابعا للعلة في الوجود له، بل حرّف فجعل المعلول متبوعا والعلة تابعة له. فلا تكون العلة قد جرت معلولها بالقصد الأول، وفي الشكل الأول تكون قد فعلت ذلك بالقصد الأول. وأما الشكل الثالث فلا تكون أيضًا العلة قد أُوجدت فيه للحد الأصغر، بل يكون الحد الأصغر أوجد العلة التي يتبعها معلول، فتكون العلة لم تجرّ المعلول بالقصد الأول.
إنما الشكل الأول هو الذي يعطي الشيء فيه علة ما ثم يتبع المعلول علته. فهذا بالحقيقة هو الذي بالفعل برهان لم. وسائر ذلك بالقوة برهان لمَ.
والوجه الثاني أن العلم بما هو - وهو الحد - إن أمكن أن يُنال بقياس فإنما يمكن بهذا الشكل.
وسنوضح بعد أنه كيف يمكن ذلك بقياس وكيف لا يمكن. أما أنه لمَ هو بهذا الشكل فلأن الحد موجب كلى، والشكل الثاني لا ينتج موجبا، والشكل الثالث لا ينتج كليا.
والوجه الثالث فهو أن الشكل الأول قياس كامل بيّن القياسية بنفسه. والشكلان الآخران إنما يبين أنهما بالرد إليه - إما بعكس وإما بافتراض. والخُلف أيضًا فإنه يُرد إليه بوجوه. فإذا رُد إليه صار إلى المقدمات الأولى التي لا وسط لها وإلى الترتيب الأول القياسي الذي لا وسط له: فاجتمع عدم الوسط في الوجهين جميعا.
وهاهنا وجوه من الفضيلة للشكل الأول: من ذلك أن تحليل القياسات إلى المقدمات الأولية لا يمكن بغيره: لأنه لابد في كل قياس من موجبة وكلية، والموجبة لا تنحل إلى مقدماتها التي أنتجتها بالشكل الثاني. والكلية لا تنحل إليها بالشكل الثالث.