والوجه الثاني أنهما ولو اشتركا في المنظور فيه واستقرت نسبتهما إليه من جهة كمية المنسوب إليه وكيفيته، فليست النسبة معا؛ بل لبعضها أولا ولبعضها آخرا - وهذا يمنع التواطؤ الصرف - وإن اشتركت أشياء في المعنى إذًا لم تتساو فيه، بل اختلفت بالتقديم والتأخير والاستحقاق أو النقصان والزيادة كما تبين لك من قبل. ولما كادت تكون هذه من المتواطئة أسماؤها شابهت بوجه ما العلم الواحد فشاركت بوجه ما في المسائل لكن اختلفت؛ فإن العلم الأعلى يعطي اللم والعلم الأسفل يعطى الإن على نحو ما كنا نحن أنفسنا أوضحناه في موضعه.
ثم قيل: وذلك لأن العلم بإن هو لمن يُحس بالأمر؛ فأما العلم بلم فهو لأصحاب التعاليم. معناه أن العلم"بإن هو"للملاّح والعلم"بلم هو"للمنجم. والعلم"بإن هو"للمتدرب في صناعه الموسيقى العملية والعلم"بلم هو"لصاحب علم التأليف التعليمي. وهذا هو طاهر الكلام الذي قيل في التعليم الأول. وقيل إن أصحاب العلوم العالية عندهم السبب وكثيرا لا يحسون بالجزئيات ولا يشعرون بها على ما هي عليها، وكثيرا ما يسمع التعليمي العالم بالموسيقى بُعد الذي بالأربعة أو الطنيني أو غير ذلك من الأبعاد المتفقة، فلا يحس ولا يعلم أنها متفقة مع أنه يعلم السبب في اتفاقها؛ لأن عنايته بالأمر الكلى لا الأمر الجزئي، وعنايته بالصورة مجردة عن المادة في الوهم لا محصلة في المادة بالطبع أو الصناعة: فإن المقادير أو الممسوحات وإن كانت لا تكون إلا في المادة، فإن المهندس ينزعها عنها وينظر فيها لذاتها لا لما يعرض لها من وجود في مادة على ما أوضحناه من قبل.
فهذا القسم هو الأكثر. وقد يكون على وجه ثان. وهو أن يكون جزء من علم ما تحت علم آخر لا كله، مثل أن النظر في الهالة والقوس وما أشبه ذلك من الخيالات الكائنة من انعكاس البصر إلى نير أو ملون غير أملس صقيل، جزء من العلم الطبيعي وموضوع تحت علم المناظر ثم الوسط والمقوم من مكان الكواكب، وبين ما يرى عليه الكوكب أو يرى عليه أكر التدوير في أبعادها البعيدة والقريبة، وزوايا انحرافات المنظر، جزء من علم المجسطى وواقع تحت علم المناظر. والعلم كله ليس واقعا تحته. فهاهنا أيضًا يعرض مثل ما يعرض هناك فيكون عند الطبيعي"أن القوس هي هكذا أو هكذا بسبب كذا"سببا غير محصل ولا مقرب. وعند المناظري أنه لم هو بالسبب المحصل المقرب.
وقد يكون على وجه ثالث: وهو أنه قد يتفق ألا يكون العلم كله ولا جزء ما معين منه تحت علم آخر، بل مسألة ما بعينها: إذ يتفق أن يقع عارض غريب لموضوع الصناعة مثل استدارة الجرح، فغن هذا العارض يوجب عارضا ذاتيا وهو عسر الاندمال، فيكون الموضوع قد صار باقتران عارض غريب مخصصا مهيأ لالتزام عارض ذاتي. ولو لم يُجعل مخصصا ما التزم عارضا ذاتيا على ما أوضحنا. فيكون برهانه المعطى للم لا من ذلك العلم، بل من العلم الذي منه العارض الغريب. فالطبيب يحكم أن الجراحات المستديرة بطيئة الاندمال، والمهندس يعطي العلة في ذلك حين يقول لأن الدائرة أوسع الأشكال إحاطة.
وقد يمكن أن يعطى سبب مركب من العلم الطبيعي والهندسي فيقال: لأن الاندمال تحركه إلى الوسط: فإذا كانت زاوية تعينت جهة الحركة فيسهل الالتقاء، وإذا لم تكن زاوية الحركة في جميع المحيط معا وتقاومت الأجزاء وأبطأ الاندمال.
وقد أوردوا في الشروح مثالا لما يكون برهانه في العلم الأسفل من جهة الإن. وفي العلم الأعلى من جهة اللم: أن صاحب المناظر يحكم بأن المخروط البصري إذا بعُد فنِيَ: وعلة ذلك يعرفه المهندس من قبل معرفته بأن الخطين اللذين يخرجان عن غير قائمتين يلتقيان. وهذا المثال غير جيد: وذلك لأنه يجب أن يكون المثال مشتملا على شيء يبرهن عليه في العلمين ببرهانين مختلفين. وأما الذي أورده - إن صح - فيكون مما يوضع في المناظر وضعا لا مما يبرهن عليه فيه.
نعم لو عنوا أن أمرا ما إذا كان مما يبرهن بهذه المقدمة في العلم المناظري، وهي غير معطاة العلة، فإنما يبين بما لم يتحقق بعد، فلا يكون بيانه ببرهان لمَ، وإذا وقع إلى المهندس صار ذلك برهان لِمَ - كان له وجه. على أن هذا المثال رديء جدا وبالعكس من الواجب: لأن الصنوبرة زاويتها عند الحدقة وقاعدتها عند المبصر، وهنالك لا التقاء البتة. ل كلما أمعن كان التباين أكثر.