فهرس الكتاب

الصفحة 477 من 781

فإذن هذا الوجه الواحد من وجهي ما نحن فيه قديما قد انشعب إلى وجهين: أحدهما الوجه الذي تكون مواده مشتركا فيها للأمرين ولكن يجري الأمر في الأمرين على العكس. والثاني الوجه الذي تكون مواده مختلفا فيها وأخذا أحد المختلفين، الذي ليس هو العلة، وسطا تارة فأعطى برهان إن، وأخذ ثانيهما الذي هو العلة وسطا تارة فأعطى برهام إن ولم معا. فعلى هذا الوجه يجب أن يفسر هذا الموضع حتى يكون الإن واللم لشيء واحد. والذي يفسره قوم آخرون يكون فيه الإن لشيء واللم لشيء آخر.

ولنرجع إلى تفصيل القسم الذي لا يكون في أحد قياسيه علة قريبة ويكون في الثاني علة قريبة. أما الذي لا يكون فيه علة قريبة فقد قيل في التعليم الأول ما هذا لفظه:"وأيضًا في الأشياء التي يوضع الأوسط فيها خارجا: إنما يكون البرهان على ما لم هو إذا كان أخبر بالعلة نفسها، فإن لم يخبر بها نفسها لم يكن برهان على لم بل على إن". وإنما يعنى بالعلة العلة القريبة.

لكن قوله"الأشياء التي يوضع فيها الأوسط خارجا"يحتمل معنيين: أحدهما ألا يكون ترتيب الحدود على ترتيب الشكل الأول بل على ترتيب الثاني مثلا، فيكون الحد الأوسط خارجا ولا يكون أعطى العلة القريبة فيه - كما نقول في الشكل الثاني إن الجدار لا يتنفس لأنه ليس بحيوان، وكل متنفس حيوان. وهذا التأويل أظهر. ويكون إنما نسب إلى الشكل الثاني لأنه كما علمت أولى بالسلب. وهذا يقع في البراهين السالبة أكثر وإن كان قد يقع في الموجبة.

فأما التفسير الثاني - وهو الأصوب وإن لم يكن الأظهر - فهو أنه يعنى بالأوسط الأوسط في القياس والوجود جميعا، وهو العلة القريبة، على أنها منعكسة؛ ويكون معنى وضعه خارجا ألا يكون قد رتب في أجزاء القياس بل تُرك من خارج. فإن الجدار في مثالنا المذكور ليس علة كونه غير )107أ( متنفس ما وُضع وهو: كونه ليس بحيوان، بل ما ترك خارجا وهو: كونه غير ذي رئة. فإنه إذا كان للإيجاب مطلقا علة منعكسة، فرفع تلك العلة علة السلب، وكان السلب مطلقا إذا كان له علة منعكسة، فمقابل تلك العلة علة بالإيجاب. ولو كان علة أنه لا يتنفس كونه ليس بحيوان، كان علة أنه يتنفس، كونه حيوانا: وليس كذلك، فإن من الحيوان ما لا يتنفس، وكذلك ليس علة أنه لا يتنفس أنه ليس بحيوان، بل الحيوان أعم مما لا يتنفس و"ليس بحيوان"أخص مما"لا يتنفس": فإن من غير المتنفسات ما هو حيوان. بل علة التنفس أخص من الحيوانية وهو وجود الرئة. وعلة عدم التنفس أعم من عدم الحياة وهو عدم الرئة.

ولكن قوما لشدة تكلفهم دقة الكلام والتقدير فيه، يتباعدون عن العلل القريبة إلى البعيدة، كما قيل إن بلاد الصقالبة ليس فيها زُمّار إذ ليس فيها كروم. ولو قيل إنه ليس فيها خمور لكان عسى قد أديت العلة القريبة في الإغناء عن المطربين. ولكن أعطى علة العلة فلم يوضح المقصود ولم يبرهن.

وقد قيل في التعليم الأول: إنما يمكن أن يكون هذا في الأكثر في علمين إذا كان أحدهما تحت الآخر بمنزلة علم المناظر عند علم الهندسة، وعلم الحيل عند علم المجسمات، وعلم تأليف اللحون عند علم العدد؛ وعلم ظاهرات الفلك تحت أحكام النجوم - أي أحكام علة الهيئة: فإن هذه العلوم يكاد أن يكون الأعلى والأسفل منهما متواطئ الاسم. وإنما قيل"يكاد"ولم يُقل بالحقيقة؛ وذلك لأن العلمين من هذين ينسبان إلى شيء واحد من وجه: فإن الظاهرات وعلم الهيئة كلاهما ينظر في حال الأجرام والأبعاد. وكذلك النجوم التعليمي ونجوم أصحاب الملاحة، فإن كليهما ينظر في مواضع النجوم. وتأليف اللحون التعليمي وتأليف اللحون السماعي كلاهما ينظر في حال النغم. وكذلك علم المناظر وعلم الهندسة ينظران في أشكال وخطوط ومقادير. وكذلك علم الحيل وعلم المجسمات ينظران في مقادير ذوات عمق.

فلهذا الاشتراك الذي لها تشبه المتواطئة ولكن ليست بالحقيقة متواطئة لسببين: أحدهما أن العلمين في بعض الأصناف المذكورة لا يشتركان في النسبة اشتراكا تاما: فإن علم الموسيقى ينظر في عدد ما بحال؛ وهو عدد وقع في نغم. وعلم المناظر ينظر في مقادير ما بحال وهي مقادير ما للبصر إليها نسبة. وعلم الحساب ينظر في العدد على الإطلاق، وعلم الهندسة ينظر في المقادير على الإطلاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت