فهرس الكتاب

الصفحة 687 من 781

فلو كانت الخطابة مبنية على هذه الحيل الخارجية، لكان التفسير لصناعة، والمشاجرة لأخرى. ولكانت المشاجرة في الأمور العظام لصناعة، والمشاجرة السوقية لصناعة. ولم تكن الخطابة قوة تتكلف الإقناع الممكن في جميعها. بل الخطابة إنما هي خطابة بالضمير. وهذه الحيل بعضها معدات، وبعضها تزايين وتزاويق يحسن به الضمير، ويفخم به شأن الدليل. وما أحسن من يستعمل هذه الخارجيات فيما أراد فيه التفسير، أو يجعلها قانون الصناعة، ويغفل العمدة التي عليها العمل. والتفسير قد يشارك المشاجرة في الموضوع، كما يتفق أن يقدم إنسان على فعلة هي زلة، وبإزائها جزاء. فإن المفسر قد يشير في ذلك بما ينبغي أن يفعل به. والحاكم قد يحكم بكون تلك العلة عدلا أو جورا من تلقاء نفسه بما توجبه السنة التي ينصرها أو الرأي الذي يعتقده. وهذا للحاكم من حيث هو حاكم بين المتشاجرين. وأما الحكم على ما ينبغي أن يفعل في مجازاته فليس للحاكم ذلك من حيث هو حاكم بين المتشاورين، بل للحاكم. وعليه أن يحكم بتفضيل أحد الرأيين على الآخر، ويكون ذلك الذي يحكم به رأيا تولى الخطيب إثباته. فإن هذا التفسير، وإن كان أخس من الحكومة بسبب أنه عمل من هو أخس، فإن الخصم في مجلس القضاء أخس من القاضي، وبسبب أنه نتيجة رأي إنسان دون الشارع، وذلك نتيجة رأي الشارع، والشارع هو الإنسان الكبير الذي لا يدانيه إنسان، وبسبب أنه في الفرع وهو الجزاء، ليس في الأصل هو الاستحقاق، فإنه، أعني التفسير، أوضح للجمهور وأشيع وأعم. إذ لكل واحد منهم مدخل في مشورة، وليس لهم مدخل في حكومة أو وضع شريعة. ولهذا السبب ما يعرض أن يكون الحاكم بين المتشاورين، إذا حكم، لم يلبث أن ينكشف للناس عدله في القضاء، أو ميله، إذا كان حكمه حكما في أمور أهلية غير وحشية، وفي أسباب معلومة غير مجهولة.

واما في التشاجر فإنما يحكم بما عنده ويراه وبما يجهله جل الجمهور، لأن معوله في ذلك هو على رسم السنة. ولذلك ما ينكتم ميله فيه. ولذلك ما يلزم الرافع إليه ظلامته أن يتحرز عنه في الوحشيات الغريبة، لا في المألوفة المعلومة. فإن شاء سلم الأحقاق لأحد الخصمين ميلا وتبرعا ورفض مر الحكم، وخصوصا فيما يكون إليه أن يقيس ويرى أيه.

والشارعون معنيون دائما بتحريم مجاوزة ما في كتابهم على الحكام، وتحذيرهم إياه، عالمين بتمكنهم في الأحكام التشاجرية مما يميلون إليه. وأما في الأحكام المشاورية، فقلما يفترض فيها قوانين من عند أصحاب الشرائع، إلا في أمور عنادية وجهادية، ويكلون أمر ما خلاه الى الناس. فيكون لجمهور الناس بأحكامه بصيرة. ولذلك ما يصرف الحاكم وكده الى أن يكون مع الأصوب من الرأيين لئلا يفسد رأيه ولا يسقط عن مرتبة الاستقصاء والتصدير للحكومة. ولهذا ما تقل منفعة الحارجيات فياستدراج الحاكم حيث يفسر، ولا تقل في استدراج الحاكم حيث يتشاجر.

وكأنك الآن قد استبنت قلة غناء الخارجيات، واستوجبت صرف الشغل الى الآلة الصناعية الأهلية، وهو ما يوقع التصديق من حيث هو موقع للتصديق بالقياس المحذوف كبراه، وهو الذي يسمى تفكيرا وضميرا.

وقد عرف الفكير أنه جزء من قياس، ذلك القياس لو تم لكان مظنونا به أنه جدلي. وذلك لأن الجدلي هو الذي يكون من محمودات حقيقية، والخطابي هو الذي يكون من محمودات بحسب بادي الظن. ولما كان النظر في القياس الجدلي الذي يسمى مرارا كثيرة منطقيا لصناعة المنطق، فالنظر في الشبيه به لصناعة المنطق. إذ كان النظر في الحق وما يشبه الحق لصناعة واحدة. فالنظر في المحمودات حقا والمحمودات ظنا وفي استعمالها لصناعة واحدة. كما أن النظر في الصادق والحق الذي منه ينبعث البرهان، وفي المحمود الذي منه ينبعث الجدلي لصناعة واحدة. إذ كانت الصناعة المنطقية بالاستحقاق الأول هو البرهان، وكان الجدلي شبيها به. إذ كانت المحمودات تشبه الحق، وغرائز الناس مشغوفة بالتماس الحق، لكن السبيل إليه صعب، فمنهم من يوفق له، ومنهم من يقع إلى الشبيه به.

فصل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت