إن صناعة الخطابة عظيمة النفع جدا، وذلك لأن الأحكام الصادقة فيما هو عدل وحسن أفضل نفعا وأعم على الناس جدوى من أضدادها. وذلك لأن نوع الإنسان مستبقى بالتشارك. والتشارك محوج إلى التعامل والتجاور. والتعامل والتجاور محوجان إلى أحكام صادقة في الأمور العملية، بها ينتظم شمل المصلحة، وبأضدادها يتشتت. وهذه الأحكام تحتاج أن تكون مقررة في النفوس ممكنة من العقائد.
وقد بينا أن البرهان قليل الجدوى في حمل الجمهور على العقد الحق، وبينا أن الخطابة هي المتكفلة به. فإحدى فضائل هذه الصناعة غناؤها في تقرير هذه الأغراض في الأنفس. وأيضًا فإن في الأمور الجزئية أحكاما يوجبها التعقل الصحيح. وليس التعقل الصحيح مبنيا على المخاطبة والمحاورة، بل قانونه الروية والنظر. كما أن البرهان أيضًا في الأمور الكلية النظرية مبني على الحق دون المحاورة. ثم المصحح بالبرهان من الأمور الكلية النظرية، إذا أريد تقريره في نفس من يسفل عن رتبة البرهان، كان الجدل أعون شيء على تقريره. كذلك المدرك بالتعقل، إذا أريد أن يقرر في نفس من يضعف عن التعقل بنفسه، كانت الخطابة أعون شيء عليه. وإذا لم يكن المدير من الناس مستحقا لأن يخاطب بالصحيح من البيان العلمي فيما ينبغي أن يعتقد، أو بالبيان العقلي فيما ينبغي أن يعمل، فإذا كان لنا قوة خطابية تمكنا من إقناع المخاطب بما يقنعه ويظنه ويقبله ويستحسنه ويناسب قدره ويشاكله، وعلى ما بيناه في صناعة الجدل.
وصناعة الخطابة من الصنائع التي نقنع بها في المتضادين، كما أن صناعة الجدل كانت صناعة يقاس بها على المتضادين. وليس على أن تكون الخطابة نقنع بها في وقت واحد أن هذا الشيء بعينه كان وأنه بعينه لم يكن؛ ولا على أن يكون الجدل أيضًا يرام به القياس على المتقابلين معا في ومان بعينه إلا في الرياضة، بل على أن لنا أن نثبت في أمر أنه كان وأنه عدل وأنه صواب وأنه ممدوح، ولنا أن نثبت أضداد ذلك من طريق القوة ومذهب الصناعة. وأما من طريق الاستعمال فإنا لا ننتفع باستعمالها جميعا في الخطابة في أمر واحد وفي وقت واحد بعينه كما كنا ننتفع بذلك في الارتياض الجدلي. إذ الغرض في الخطابة إيقاع التصديق، ولا كذلك في الارتياض الجدلي. بل قد ينفع باستعمال الإقناع في الطرفين من وجه آخر شبيه بالارتياض، وذلك بأن نحضر الحجج المتقابلة في أفكارنا معا متفكرين فيتصرح لنا ما ينفعنا وفي طريق التصديق الذي يلتمس إيقاعه، ويكون حل الحجج المناسبة للطرف الآخر علينا أهون. فإن الشك، إذا كان حاضرا ذهنك، كن أقدر على تحمل وجه حله من أن يطرأ عليك ولم تستعد له. وليس من الصنائع المنتفع بها صناعة نقيس فيها على المتقابلين غير الجدل والخطابة. أما الصنائع البرهانية فنقيس فيها على طرف واحد. وأما السوفسطائية فليست معدة نحو الإقناع، بل نحو التغليط، ولا هي من الصنائع التي يستعملها الناس للمنافع. وأما الصناعة الشعرية فهي لأجل التخييل، لا لأجل التصديق، ولا في طرف واحد. لكن الخطابة، وإن كانت بهذه الصفة، فالخطابة الجزئية الفاضلة هي التي تنحو نحو الطرف الأفضل، وتبتدئ من المقدمات التي هي ففضل. فهذا أيضًا من فضائل الخطابة، أعني اقتدارها على التصرف في الإقناع تارة في طريف، وتارة في الطرف الآخر. وحكم ذلك حكم أعضاء الإنسان، فإنها معدة للتصرف في الإلذاذ والإيلام، وحكم قواه سوى الفضيلة الخلقية وحدها. فإن قواه معدة للخير والشر جميعا. وأما الفضيلة فللخير فقط. وأما ما سوى الفضيلة، كالصحة واليسار والبسالة، فقد يصلح أن يستعمل في الخير، ويصلح أن يستعمل في الشر. والحاجة إلى الخير ماسة، وإلى الشر قد تمس، ليدفع الشر بها، فلح الحديد بالحديد، وليتخلص به من العدو تسليطا للشر عليه. والمرء ينصر بدنه ونفسه بما هو مشارك فيه لسائر الحيوان، فما أحسن به أن يكون قديرا على نصرة نفسه بما يخصه، وهو اللسان والبيان، فيعدل به ويجور، ويحسن ويسيء، ويتمكن به من التصرف في المتقابلات فيحسن فعلا فعله بعدوه وهو قبيح، ويعدل فعلا دفع به الشر عن نفسه وهو جور، فضلا عن أن يدل على قبح القبيح وجور الجائر.