فهرس الكتاب

الصفحة 498 من 781

وكيف يقال إن مبادئ العلوم المختلفة متفقة؟ أمن جهة أن العلوم المختلفة متفقة وهذا ظاهر البطلان؟. أو من جهة أن كل واحد منها يصلح أن ينتج منها في كل علم، حتى يكون مبدأ أي علم اتفق صالحا لأي علم اتفق؟ وهذا معلوم الاستحالة. فإن مبادئ العلوم التعليمية - وهي محدودة في المصادرات مميزة بالفعل - ، ظاهر من أمرها أنها لا يصلح بعضها لبعض، فكيف تصلح لكل علم. بل ولا مبدأ علم واحد يصلح لجميع مسائل ذلك العلم، فكيف لمسائل علوم أخرى؟ولا أيضًا إذا استعملنا طريق التحليل بالعكس فصرنا إلى المقدمات التي لا أوساط لها في علم ما وميزناها إن لم تكن مميزة تميزها في الرياضيات، وجدناها مشتركة لجميع النتائج، بل كان كل خاصة لنتيجة أو نتائج بأعيانها.

ومع هذا كله فليس يمكننا أن نقول: إن مبادئ العلوم مختلفة اختلافا لا اشتراك فيها البتة ولا في شيء منها. فقد بان فيما سلف أن بعض العلوم يشترك في المبادئ، وان من المبادئ خاصة ومنها عامة. فعسى الحق هو أن المبادئ متناسبة في الجنس، أي في الموضوع. ولكن هذا لا يمكن؛ فإن العلوم التي لا تتناسب في الموضوع، فإن مبادئها الخاصية بأجناسها لا تتناسب أيضًا في الموضوع.

والذي يجب أن يعتقد فيه أنه الحق والقضاء الفصل هو أن المبادئ تقال على نوعين: إما مبادئ منها البرهان - أي المقدمات الأولى في العلوم، وإما مبادئ فيها البرهان وهي أجناس العلوم - أي موضوعاتها وما يتعلق بها - مما يوضع معها أو يساويها كالواحد بوجه ما للموجود. فالقسم الأول يجوز أن يكون فيها مبادئ عامة مثل قولنا: كل شيء إما يصدق عليه الإيجاب أو السلب؛ وقولنا: الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية. وأما القسم الثاني فلا يجوز إلا أن تكون خاصة، أو يتناسب علمان في الجنس. وما كان من المبادئ التي بمعنى المقدمات - مما هو خاص أو مخصص كما علم، فلا يشترك فيها في جل المر إلا علمان أحدهما فوق الآخر. ويكون لأحدهما أولا وللثاني ثانيا.

ولما كانت الموضوعات في المسائل العلمية إما جنس الموضوع للصناعة؛ أو نوع منه وعرض ذاتي فيه، فلا يجوز أن تكون الصغريات من المبادئ المشتركة بوجه من الوجوه. بل إن كان ولابد فالكبريات، على النحو الذي تجوز به الشركة.

وفي تفهيم الذهن والفهم )112ب ( والحدس والذكاء والصناعة والحكمة من المعلوم أن هاهنا علما بشيء، وهاهنا ظنا به؛ وأن الاختلاف فيهما من جهة الوثاقة والفلق، وانهما داخلان تحت الرأي، وأن بينهما موضع مقايسة ومناسبة.

وليس كل علم يحسن أن يقايس بالظن؛ بل العلم التصديقي. ولا كل علم مع كل ظن، بل مع ظن يوافقه في جنس الرأي. وأن ما سواه من الظن فيجب أن يقايس بالجهل.

والعلم التصديقي هو أن يعتقد في الشيء أنه كذا. واليقين منه هو أن يعتقد في الشيء أنه كذا، ويعتقد انه لا يمكن ألا يكون كذا اعتقادا وقوعه من حيث لا يمكن زواله. فإنه إن كان بينا بنفسه لم يمكن زواله. وإن لم يكن بينا بنفسه، فلا يصير غير ممكن الزوال؛ أو يكون الحد الأوسط الأعلى أوقعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت