وأيضًا فإن المقاييس الصادقة يجب أن تكون واحدة بأعيانها: وذلك ان المبادئ إما خاصة بالأجناس الموضوعة لكل علم، فتكون من موضوعاتها ومن عوارضها الذاتية: مثل قولنا في الهندسة إن كل مقدار إما منطوق وإما أصم، وقولنا في العدد: كل عدد إما أول وإما مركب. وبين أن هذه مختلفة لا مطابقة فيها، لأن الهندسة كلها بعد النقطة، والعددية كلها بع الوحدة، ولا يمكن بينهما مطابقة البتة. ولو كانت مطابقة غير صرفة لكانت على أحد وجوه: إما أن تكون أحد المبدأين أعم من الآخر كقولنا كل ج أ وكل ب أ على أن ج تحت ب. فإذا كان كذلك كان أحد المبدأين تحت الآخر أو فوقه، فكان حينئذ أحد الجنسين تحت الآخر أو فوقه. ومثل هذه الشركة قد تقع في المبادئ. وهناك قد يكون الأمر على ما أوضحناه قبل، وذلك إذا كانت أجناس العلوم المتشاركة واقعا بعضها تحت بعض. وأما الجناس التي ليس بعضها تحت بعض فلا يمكن ذلك فيها، وأعني بالأجناس الموضوعات.
وإما أن يكون مبدأ داخلا في الوسط للآخر مثل الخطوط المتوازية التي بين المتوازيين: فيكونان حينئذ إما متشاركين في الجنس، فيكون أحدهما مبدأ والآخر نتيجة لا مبدأ، أو غير متشاركين في الجنس - أعني الموضوع - بل في جنسه، فيكون أيضًا أحد العلمين تحت الأخر، فتكون الشركة في المبدأ على نحو ما حددناه قبل.
وأما العلوم المخالفة التي ليس بعضها تحت بعض فلا يمكن أن تشترك في المبدأ الخاص البتة، لا على أن يدخل حد منها في الوسط ولا فوق منها ولا تحت منها ولا خارجا موضوعا أو محمولا مختلفا في ذلك في علمين.
وأما المبادئ العامة مثل قولنا إن كل شيء إما أن يصدق عليه موجبة وإما أن يصدق عليه سالبة، فقد يشترك فيها، لأن هذه المبادئ صالحة في بيان أحوال الموجودات المختلفة التي بعضها كم وبعضها كيف وبعضها شيء آخر، لأنها من جملة ما هو مبدأ ما في العلم الناظر في الموجود من جهة ما هو موجود، ولكنها توجد في العلوم بالقوة، ولا تؤخذ البتة بالفعل مقدمات كبرى ولا صغرى إلا وقد أخذت مخصصة لموضوع وذلك العلم ولعوارضه الذاتية على ما بينا جميع ذلك فيما سلف. فإذن لا يكون في العلوم المختلفة اشتراك بالفعل بل بالقوة.
والنتائج المطلوبة في العلوم وإن كانت تزيد على المقدمات على النحو المعلوم في تركيب القياس، فليست زيادة مفرطة خارجة عن نسب محفوظة. وليس عن ذلك المقدمات إلا تلك النتائج بأعيانها.
وليست تصلح لغير ذلك القدر من الكثرة. وإذا أدخل حد من جانب أو في الوسط لم يزدد أي نتيجة اتفقت، بل ما ينساب ذلك. فإذا كانت نسبة المقدمات مع النتائج هذه النسبة، فكيف تكون اللواتي هي المبادئ منها صالحة لأن ينتج منها لا هذه، بل نتائج خارجة من هذه؟ فإن جميع المقدمات التي في علم مالا ينتج منها إلا المناسبة لتلك المقدمات فبعضها التي هي المبادئ أبعد من أن ينتج منها مسائل علوم أخرى غير مناسبة لذلك العلم. وكيف والنتائج المطلوبة في العلوم غير متناهية بالقوة. والحدود التي للمبادئ متناهية: فإن المبادئ والأصول الموضوعة لكل صناعة متناهية. وأما النسب الممكن اعتبارها بينها وبين عوارضها، وإن كانت في ذواتها محصورة، فقد لا تتناهى بالقوة من جهة أن بعض المحمولات تكون ضرورية متقررة في الشيء دائمة، وبعضها ممكنة تحصل باعتبارات بينها. مثال ذلك أن المثلث المتساوي الساقين من حاله أن زاويتيه متساويتان - أمر موجود في نفسه بالضرورة. وأما أنه أمر نسبته إلى مثلث آخر يقع مثلا في دائرة كذا، وفي مخمس كذا نسبة كذا، وما يجري مجراه، فأمور ليست محصلة الوجود فيه، وإلا لكانت فيه أمور غير متناهية بالفعل. بل هي أمور تحدث له من جهة مناسبات ممكنة يفرضها العقل فيها.
فأمثال المبادئ الخاصة - مثلا الخاصة بعلم الهندسة - يعظم فيها أن تكون وافية بمسائل الهندسة، فضلا عن مسائل خارجة لا تتعلق بها.