فقد بان إذا أن الجدلي يتصرف في المحمودات على شروط المنطق، والخطابي يتصرف فيها على الرسوم المعتادة، بل يلزم الرسوم المعتادة في مادة قياسية، وفي صورته حتى إن كانت الصورة قياسية في الظن استعملها كالموجبتين في الشكل الثاني. وذلك لأنه متوخ بما يعمله الموقع عند القوم الذين لا يحتملون المخاطبات المرتبة قياسا بعد قياس إلى غرض مطلوب في مدة طويلة، ولا يضبطونه، ويمله الحكام منه، فيتوقعون لمح الغرض من كثب ولا ينفذ نظرهم إلى أمد بعيد، ويقنعون بما يلوح وإن لم يحقق، ويقل بحثهم عن أمور وجودها بالضرورة. وإن كان يعرض إما على سبيل وضع منهم للصناعة في غير موضعها إذا تعاطوا كلاما في شيء من أموره الطبيعية أو شيء من المعاني الإلهية، وإما على سبيل استعمال الواجبات فمثل قولهم: إن فلانا لا يجتمع فيه حب الشهوات والفضيلة العفية، وإن فلانا لا يراقب الله مادام معتقدا لاستحالة البعث وموجبا فناء النفس. بل أكثر نظرهم إنما في أمور ممكنة كالمشوريات التي يكون كونها ولا كونها في المستقبل بمنزلة واحدة. فكيف يصرح فيها بمقدمات كلية إلا تعريضا للشك؟ فإن المقتصر على قوله: إن فلانا يسعى بفلان، لأنه كان يشاور الأمير ساعة إيعازه بالقبض عليه، ربما أقنع. فإن صرح بالمقول على الكل، شعر في الوقت بكذب المقول على الكل، فشعر بوجوب الشك في الملتمس إثباته. وربما كان الازدياد في الشرح سببا لاثارة الشك ولنشاط السامع للتكذيب أو للتنفير بسبب استيحاش النفس عن التكرير.
وليس كل التفكيرات والضمائر عن ممكنات بالتساوي، بل قد تكون عن ضروريات، وعن أكثريات. والضمائر الموجودة في كل واحد من هاتين قد تكون من الصادقات، أي من المحمودات الحقيقية، وقد تكون من الدلائل. والمحمودات الحقيقية نسبتها الى المحمودات الظنية نسبة الصادقات الحقيقية من المحمودات، وبالعكس.
فمثال ما يكون من المحمودات في الضروريات قولنا: زيد عالم زكي النفس، والعالم الزكي النفس سعيد في الآخرة. وهذه المقدمة المحمودة قد تحذف وتستعمل قوتها، وإنما يصرح بها مهملة، لئلا يكون المقول على الكل، من حيث هو مقول على الكل، مصرحا به. أما تأليف مثل هذا - ويكون تأليفه على منهاج الشكل الأول.
ومثال ما هو من الدليل بالتسمية الخاصة قولنا: هذه المرأة ولدت، فهي مفضتة. فتجعل الولادة دليلا على أن يعرف الافتضاض، وهو دليل صدق لا يخلو عنه، فيلزم أن يكون معه أو أخص منه، ولذلك يكون على قوة الشكل الأول.
وأما العلامة: فهو حكم، إما أن يكون المحمول يلزمه، وهو لا يلزم الموضوع؛ أو يكون هو يلزم الموضوع، والمحمول لا يلزمه. فإنه لو لزمه المحمول ولزم هو الموضوع، كان دليلا، فانعقد الشكل الأول. فالعلامة الأولى منهما تبين بالشكل الثالث، كقولنا: الفقيه عفيف، لأن زيدا الفقيه عفيف. والصدق في هذا الكلام أن يقال: إن زيدا فقيه، وزيدا عفيف، فكل فقيه عفيف. فيكون زيد علامة لكون الفقيه عفيفا. لكن العفة لزمت زيدا، وزيد ليس يلزم الفقيه، حى يكون كل فقيه زيدا. والعلامة الثانية تكون من الشكل الثاني، مثل قولهم: هذه منتفخة البطن، فهي إذا حبلى. والصدق في هذا الكلام أن يقال: هذه منتفخة البطن، والحبلى منتفخة البطن، فيكون انتفاخ البطن علامة للحمل. لكن انتفاخ البطن قد وجد في هذه، وأما الحبل فليس موجودا لكل منتفخ البطن. ولنورد أمثلة هذه في الأكثريات.
أما القياس من الأكثريات فأن تكون الكبرى محمودة بالحقيقة، لكن ليس صادقة في الكل، بل في الأكثر من الأشخاص، أو الأكثر من الاعتبارات، مثل قولهم: زيد كاف الأذى، فهو محبوب. ويكون الدليل الأكثري مثل قولهم: زيد محموم، فهو إذا سريع النبض. وهذا يسمى دليل الأولى والأشبه عند قوم. وأما العلامة من الشكل الثاني فأن يقال: زيد سريع النبض مثلا، فهو محموم. وأما العلامة فيها من الشكل الثالث فمثل أن يقال مثلا: الشجعان لا يبخلون، لأن علي بن أبي طالب كان لا يبخل.
فهذه ثمنية وجوه من الضمائر عن الضروريات والأكثريات.
فصل