ونحن بالحقيقة قد بينا في الفن الذي قبله، سالكين مسلك من سلف، ملهية المقدمات البرهانية وخاصيتها، وأومأنا إلى جملة كسبها إيماءا مجملا، فإذا تفصل ذلك فيما بعده من المواضع المشهورة، كان لنا ذلك زيادة بصيرة. وأما الحاجة الداعية إلى تفصيل الأمر في كسب المشهورات دون البرهانيات، أن البرهانية محدودة الشرائط، غير مخرجة عن حدي المطلوب في كل باب. وأما الشهرة فليس شيئا يتبع أجزاء المقدمات ويلحقها من أنفسها، بل هو شيء يأتي من خارج، فلا يكون القانون المستند إلى اعتبار أجزاء المقدمات نافعا في ذلك، بل نحتاج أن نحصي أمورا بما عرفت من الشهرة الخارجية. فتبين من جملة هذا أن هذا النمط من القياسات لا ينفع الإنسان استعمالها، ولا تحصيل ملكتها فيما بينه وبين نفسه بالذات، بل إنما منفعتها على سبيل المخاطبة، ولا أن ينفع المخاطب في أن يكمل ذاته، بل ينفع في أمر آخر، إما مؤد إلى تكميل ذاته بالقصد الثاني، وإما مؤد إلى قوام المصلحة الشركية. أما المؤدي إلى تكميل ذاته بالقصد الثاني، فلأن المكمل بالحقيقة هو العلم المكتسب بالبرهان. لكن أكثر العلوم البرهانية - على ما عرفت من حالها - يكون في مبادئها ما هو موضوع للمتعلم، فإذا طولب بتسليمها ساذجا، غير معان بما يقنعه بوجه من الوجوه - إذ لا سبيل إلى إيقاع اليقين له بها في درجته - كان مستوحش النفس عما يُبنى على تلك الموضوعات. فإذا كان معنا قدرة على أن نقنعه بقياسات مؤلفة من مقدمات يقبلها، ويسلمها ويحمدها - وإن كانت غير حقيقية في نفسها - لم ينفر عن تلك الموضوعات، ولم يستغربها، ولم يشمئز طبعه عما يبنى عليها، فنفذ في تعلمه إلى أن يحين له تلقف ما يحصل له فيها اليقين. وأما المؤدي إلى قوام المصلحة الشركية، فلأن استمرار الناس على جملة حافظة لحسن المشاركة، مبنية على عقائد يعتقدونها فيما ينبغي أن يُقر به، وفيما ينبغي أن يعمل، وتكون أضدادها مؤدية إلى ما هو ضد لحفظ المشاركة.
فإذا كانت للناس، بل لمدبري الناس، ملكة يقتدرون بها على تأكيد العقائد النافعة في أنفسهم بالحجج المقبولة عندهم، إذا اختلج في قلب أحدهم شك، ويبكتون من اعتقد غير النافع بالحجج المقبولة عندهم، انتفع المدبر من جهة تمكنه من تدبير الذي يتولاه، وانتفع المدبر من جهة قبوله لحسن التدبير. ولو كان سبيل إلى أن يورد الحجج عليهم من المقبولات لذواتها، والمحمودات في نفس الأمر، لا بحسبهم فقط في مدة قصيرة، أو كانت الطبائع متفقة في قبول ذلك وفهمه، لكان الاشتغال باستعمال ما قبوله بحسبهم لا بحسب الأمر شططا وفضلا وخدعة؛ لكن الطريق التعليمي طويل، ولا كل نفس له مقبول، وخصوصا في الأمور التي هي أنفع ما يعتقد، كإثبات الصانع الواحد، وإثبات الرسالة الإلهية، وإثبات المعاد. وإذا انصرف الجمهور بهممهم إلى ذلك، طال عليهم وتأخر عنهم ما يجب أن يتفقوا عليه من المصلحة إلى حين إحاطتهم به، وفيه غرر. وأيضًا فإن أكثر القوى قاصرة عن ذلك، وليس كل ميسر لذلك، بل لما خلق له. فبالواجب ما احتيج إلى استعمال أصناف هذه القياسات، ولم يكن النظر فيها بحسب تكميل أقسام المنطق فقط - كما قال بعضهم - بل كان هنالك منفعة قائمة.
فصل (ب)
فيجب أن ننظر الآن في أن هذه الصناعة أي الأسماء أحق بها. أما إصابة الحق، والنظر للحق، وغير ذلك، فلا شك في استبعاد دلالته عن الغرض فيها، وخصوصا وهذه الصناعة مقصورة على المحاورة والمخاطبة. لكن الأسماء المستعملة في المخاطبات القياسية هي هذه: التعليم، والمجاراة، والمناظرة، والمعاندة، والاختبار، والمجادلة، والخطابة والإنشاد. وإن كان شيء غير هذه، فهو إما داخل في بعض هذه، أو غير مألوف.
ثم التعليم لا ينفع فيه أيضًا إلا الحق. وأما المجاراة فليس القصد فيه إلا ما في التعليم ولكن المجاراة تتم بالمشاركة، كأن الإنسان الواحد لما كان في أكثر الأوقات أو بعضها إذا حاول أن يكون معلما لنفسه ومتعلما من نفسه من وجهين واعتبارين - على ما علمت - عسر عليه ذلك. فإن أعوزه معلم وقد حصلت له الملكة، افتقر إلى آخر يشاركه في النظر، فيضم ما يحدسه ذلك إلى ما يحدسه هو، فيصير كل واحد منهما جزء معلم، وكل منهما تمام متعلم؛ والغرض فيه العلم.