فهرس الكتاب

الصفحة 534 من 781

إنه لا يجب أن يتوهم أن هذا القياس قد ينفع استعماله مع نفسه بالقصد الأول، لأنه لا يفيد اليقين إلا البرهان، وما دون اليقين فأكثره ظن، والظن مخلوط دائما بشك قوى أو ضعيف، والشك عدم الكمال. فإن كان الرأي ليس يقينا، وليس ظنا، بل هو عقد قوى يشبه اليقين، فهو بالحقيقة أيضًا جهل. أما إذا كان كاذبا، فهو جهل مضاعف؛ وإما إن كان صادقا، فهو جهل من جهة أن هذا العقد لا يكون منفردا في ذات العقل من غير مشاركة قوة فاسدة، تفسد وتفسد معها العقد المقارن لها، فإن العقل الصريح لا يقبل المجهول إلا من جهة السبب الذي لذاته يصير المجهول معلوما. فهذا القياس الجدلي غير نافع في أن يكون الإنسان مخاطبا به نفسه بالذات، فإذن منفعته المخصوصة به هو في أمر مشترك، وفي أن يخاطب غيره، لكنه ينفع صاحبه منافع لا بالذات - من حيث هو قياس - بل بالعرض. فإنه إن كانت الغلبة مطلوبة عنده، انتفع به فيه. وأيضًا ينتفع به من وجه آخر: أنه إذا لم يجد يقينيات أخذ مشهورات تنتج طرف نقيض، وأخذ أخرى تنتج طرفا آخر، فلا يزال يرجح بينها ترجيحا بعد ترجيح حتى ربما يلوح له الحق، ويخرج به إلى اليقين، كما أن الإنسان كثيرا ما يتخلص من تحقق أعراض الشيء وخواصه إلى معرفة فصله وماهيته. لكن هذا النفع والأول ليسا هما عنه بما هو قياس، فإن القياس - بما هو قياس - نفعه هو بما ينتج. والأول مما عددناه نفعه بشيء يعرض أن يتبع نتيجة، وهو الغلبة، والثاني نفعه بشيء يعرض أن ينكشف عن حال مقدماته، بأن يتخصص ويتحصل منها بعض، ويتزيف بعض، ثم تكتسب مقدمات أخرى، وقياس آخر، وسل من القياس المذكور قياس آخر، فيكون كأن ذلك القياس الأول فسد وبطل، والقياس الثاني حدث وكان، ويكون النافع بالذات هو القياس الثاني.

وقد ينفع تعلم هذه الصناعة في البرهان من وجه آخر: وهو أنه وإن كان ما علمناه في البرهان كافيا، فإن الإنسان ينتفع بتأمل هذه الصناعة في البرهان من وجهين: أحدهما من جهة أنه إذا تحقق معرفة قياسات هي في صورتها أمثال البرهانية بأعيانها؛ ويجد لمقدماتها شرائط وأحوالا تخالف ما عهده، يصير محيطا بأصناف من المقدمات غير برهانية وفي معرفة ما ليس بالشيء؛ ويشاركه منفعة ما في معرفة الشيء؛ وزيادة بصيرة به؛ فإنه يكون حينئذ قد حصل له معرفة بالشيء من حيث هو، ومعرفة بالشيء من حيث ليس غيره، ومن جهة أن كسب المقدمات المشهورة وإعدادها أعم من كسب المقدمات البرهانية وإعدادها، إذ المشهور أعم من البرهاني، فيتفق له كسب المشهورات أيضًا وإعدادها أن يكتسب البرهانية ويعدها، حينما يأخذ بتعقب المشهورات ليتأمل ما منها برهاني، وما منها غير برهاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت