فهرس الكتاب

الصفحة 648 من 781

والقياس فعل السائل، والمقاومة فعل المجيب. والمعارضة أيضًا للمجيب، وهي أن يورد قياسا ينصر وضعه يحاذي به قياس السائل الذي أبطل وضعه حين لم يقدر على مقاومة ذلك القياس من السائل؛ وهي ضعيفة جدا. والمناقضة أيضًا للمجيب، وهي في إبطال حكم الاستقراء، أو تكذيب الكبرى.

والقياس والمعارضة يبتدآن من كثرة إلى وحدة. والمناقضة والمقاومة يردان وحدة إلى كثرة. أما المناقضة فبأن يجعل الكلى الواحد الحكم غير كلى ومختلف الحكم. وأما المقاومة، فلأنها انصراف ما عن الواحد، وهي التنبيه إلى الكثرة، وهي المقدمات، ومع ذلك فإنها تحوج إلى أن تصحح ما ينكر من المقدمات بكثرة أخرى.والأولى أن لا يتكفل المجيب حفظ كل وضع أو نصرته، ولا السائل إيراد القياس على نقيض كل وضع، بل يجب على المجيب أن تكون نصرته للمشهور والصادق، وعلى السائل أن يكون إبطاله للشنع وللكاذب. ومع ذلك، فلا ضير في أن يقابل المتعنت بالتعنت، والجاحد بالجحد، والحايد عن الطريقة بالحيد عن الطريقة. بل الأولى بمثل هذا المعامل أن يكدح، ويكتح ولو بمغالطة تروج عليه، ليعرف أنه مع إنكاره للحق قابل للباطل.

تم كتاب الجدل 5 1 /السفسطة

بسم الله الرحمن الرحيم الفن السابع من المنطق في السفسطة

فصل

قد قلنا في المحاورة الجدلية بحسب الكفاية. وأما التبكيت المغالطي، وهو القياس الذي يعمله المتشبه بالجدلى أو التعليمي لينتج نقيض وضع ما، فبالحري أن نتكلم فيه، وبالحرى أن لا نسميه تبكيتًا وتوبيخًا بل تضليلًا، كما سلف منا ذكره.

وذلك انه كما أن مِن الأمور حقًا ومتشبهًا، مثل ما أن مِن الناس مَن هو نقي الجيب، طيب السريرة، ومنهم من يتراءى بذلك بما يظهره مما يعجب منه ويكنيه عن نفسه؛ ومن الحسن ما هو مطبوع، ومنه ما هو مجلوب بتطرية؛ وفي الأمور الجمادية ما هو فضة وذهب بالحقيقة، ومنها ما هو مشبه به كمارقشيثا الفضية والذهبية، وما يتخذ من الرصاص المصلب، وما يصبغ من الشبه بالمُرار؛ ومن الفضة يصبغ بالمرار وسائر الأصباغ التي يتخذها أصحاب الحيل. كذلك قد يكون من القياس ما هو حق موجود، وقد يكون منه ما هو تبكيت سوفسطائي مشبه بالحق ولا حقيقة له قياسية موجودة، وإنما يتروج على ظن من لم يتدرب، كأنهم ناظرون من بعيد.

والفرق بين القياس المطلق والتبكيت المطلق: فهو أن القياس المطلق قياس مطلق بحسب النتيجة المطلقة؛ فإن القياس: قول إذا سلَّمت فيه أشياء لزم عنها لذاتها قول آخر اضطرارًا.

وأما التبكيت المطلق: فهو قياس على نتيجة هي نقيض دعوى وضع. والتبكيت السوفسطائى: هو قياس يرى أنه مناقض للحق، ونتيجته نقيض الحق، وليس كذلك بالحقيقة؛ والسوفسطائى يروجه من غير أن يشعر هو به، أو يشعر أكثر الناس بما يفعل هو. وإنما يقع هذا الترويح لأسباب كثيرة: أوكدها وأكثرها وقوعًا ما يكون بسبب تغليط الألفاظ باشتراكها في حد انفرادها أو لأجل تركيبها؛ ويكون حاصل السبب في ذلك أنهم إذا تكلموا أقاموا الأسماء في أذهانهم بدل الأمور، فإذا عرض في الأسماء اتفاق وافتراق، حكموا بذلك على الأمور، مثل الحاسب غير الماهر إذا غلط في حسابه وعقده، ظن أن حكم العدد في وجوده هو حكم عقده؛ وكذلك إذا غالطه غيره.

وقد أوجب الاتفاق في الاسم سبب قوى: وهو أن الأمور غير محدودة، ولا محصورة عند المسمين، وليس أحد منهم عند ما يسمى أمكنه حصر جميع الأمور التي يروم تسميتها، فأخذ بعد ذلك يفرد لكل معنى اسما على حدَّه، بل إنما كان المحصور عنده، وبالقياس إليه، الأسماء فقط؛ فعرض من ذلك أن جوز الاشتراك في الأسماء، إذا كانت الأسماء عنده محصورة، ولا يحتمل أن يبلغ بها تركيب بالتكثير غير متناه، لأن الأسماء حينئذ تجاوز حدا لحقه إلى طول غير محتمل، فلم يُوطَّن المسمى الواحد والمختلفون أنفسهم إلا على انحصار الأسماء في حد، ومجاوزة الأمور كل حد، فعرض اشتراك أمور كثيرة في لفظ واحد. فهكذا ينبغي أن تفهم هذا الموضع؛ وهو متكلف مجرور إلى الصواب كرهًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت