وأما الموجبة الجزئية المطلقة، كقولك: بعض ب( آ، فمعناه بعض ما يوصف بالفعل أنه ب( سواء كان ذلك البعض دائما ب(، أو وقتا ما ب(، أو خلطا، فإنه يوصف بأنه آ من غير بيان، أو بشرط لا دائما. وإما الضرورية فأن يكون بعض ما يوصف بأنه ب(، على أي الأحوال المذكورة شئت، يوصف دائما بأنه آ ما دام الذات الموصوفة بب( موجودة، والممكنة على ذلك النحو المذكور. ومن هذا القياس يعلم أن السالبة الكلية المطلقة والضرورية كيف تكون وكذلك الجزئية. وبالحقيقة فإن لغة العرب ولغات أخرى مما عرفناها لا يوجد فيها لفظ يدل على سلب كل إلا ويوجب أن يفهم منه أن لا شيء مما هو موصوف بأنه ب( موجود له ألف البتة مادام موصوفا بأنه ب(، وإذا قيل: لا شيء مما هو ب( آ ، ثم يوجد شيء مما هو ب( في وقت ما هو آ وإن كان السلب عنه وقتا ما آخر صادقا، كان المفهوم من اللفظ كأنه قد انتقض. وإذا قيل: كل إنسان يتنفس، فيرى إنسان لا يتنفس في ساعة من الساعات، لم تر أن الكلام قد انتقض، كما ترى أنه إذا قيل: لا واحد من الناس متنفس، فإنه إذا وجد في وقت يتنفس ظن أنه منتقض، اللهم إلا أن يُصرح، فيقال: لا واحد من الناس متنفس دائما. فحينئذ لا يجعل مصادفة بعض الناس متنفسا وقتنا ما مناقضًا لهذا. فإن شئنا أن نجد للسالب الكلي لفظا مطلقا يقع على الوجوه كلها لعموه، فبالحري أن نستعين بلفظ آخر مثل قولنا: كل ب( فإنه لا يوجد آ، فيكون كأنا قلنا: كل واحد واحد مما هو ب(، فإنه لا يوجد آ، ويشبه أن لا تكون هذه القضية موجبة، فإن حرف السلب فيها قبل الرابطة. ويشبه أن لا تكون لفظة"كل"وحدها تدل على إيجاب البتة؛ بل على عموم. فإن جاء الحمل موجبا، دل على إيجاب، إما محصل وأما معدول، كقولنا: كل إنسان يوجد لا عدلا. وإن جاء الحمل سالبا دل على سلب، كقولنا: كل إنسان ليس يوجد عدلا. وكذا حال البعض، فإني لا أجد كبير فرق بين قولنا: بعض الناس ليس بكاتب، وبين قولنا: ليس بعض الناس بكاتب، وإن لم تمنع اللغة أن يكون قولنا: كل إنسان ليس يوجد عدلا سلبا. فهذا هو السالب الذي يجب أن يستعمل في السب العام الذي تدخل فيه الوجوه المذكورة كلها. ويجب عليك أن تعرف الحال في المعنى المقصود في الموضوع والمحمول إذا كانت القضايا جزئية، فإنها لا تفارق الكلية، إلا أن الحكم فيها في بعض الموضوع .
(ه) فصل
ويحق علينا أن ندل على المناقضات التي تقع بين المحصورات المذكورة. فإن لقائل أن يقول مشككا: إن المذكور منها في الفن الثالث غير كاف. وذلك لأنا إذا قلنا: كل ب( آ، وأردنا أن نراعي الزمان في قولنا: ليس كل ب( آ، إذ هو أحد شروط النقيض، عسر ذلك علينا. مثلا إذا قلنا: كل إنسان يتنفس، أي في الوقت الذي يتفقن يتنفس فيه، وقلنا: ليس كل إنسان يتنفس أي في الوقت الذي يتفق أن يتنفس فيه، حتى يكون الوقت واحدا، كان ذلك بالحقيقة مناقضا للأول. إلا أنا لسنا نراعي هذا في المواضع التي تستعمل فيها المناقضات؛ إذ يس يتبين بهذا خلف البتة، ولا يقع شك في أنه حين ما يتنفس ليس لا يتنفس، وعلى ما سنشبع القول فيه، ولا البراهين على أحوال المقدمات السالبة المطلقة بوجه، نحو مثل هذا. فإن هذا مما لا يشك فيه. وإن حصل زمان واحد لنأخذه من حيث هو وقت في نفسه، لا من حيث هو وقت مؤقت بالتنفس يعذر ذلك، فلم يمكن تحصيله. والفرق بين أخذ الوقت من حيث هو وقت في نفسه، وأخذه من حيث هو وقت مؤقت بالمحمول، أنه إذا قيل: إن القمر ينكسف نصف ليلة كذا، وقيل: إن القمر ليس ينكسف نصف ليلة كذا، كانذلك مما يشك فيه، ويحتاج إلى بيان، وكان التناقض حاصلا مع ذلك. وأما إذا قيل: إن القمر ينكسف وقت كسوفه، وليس ينكسف وقت كسوفه، فإنه وإن كان هذان القولان كالأولين في أنهما متناقضان فليس يقع خلاف البتة في أن السالبة منها مسلمة لا يقع فيها الشك.