وأما الذى قال إن السور الكلى إذا قرن بالمحمول كان أيضًا صادقًا، كقولك: كل إنسان قابل كل صناعة، فهذا أيضًا غلط، وذلك لأن قولنا السور قرن بالمحمول في المنحرفات ليس قولا حقيقيًا، فإن القول الحق فيها هو أن يجعل السور مع شئ آخر محمولا ويكون ذلك الشئ له حكم، أو جعل وحده محمولا ولم يدخل السور. وأما إذا دخل السور وقرن به ذلك الأمر وجعل الجميع شيئًا واحدًا، فتلك الجملة هى المحمول. فليس ذلك الأمر المفرد وحده هو المحمول في هذه القضايا، بل إنما قيل لهذا الجزء إنه محمول بسبب أن البحث الأول كان عن كلية موضوع، ومحمول فقيل إنه لا ينبغى أن يشتغل ببيان كلية المحمول، فإن الغرض ليس أن يدل على أن المحمول بخصوصه أو بعمومه موجود في شئ، بل إِن طبيعته كيف كانت موجودة في شئ. فإن حاولت أن تقرن هناك سورًا فقد انحرفت القضية وصار المحمول ليس بمحمول، بل جزءًا من المحمول، فانتقل اعتبار الصدق إلى النسبة التى تقع لتلك الجملة مع الموضوع. فلذلك سميت هذه القضايا منحرفات ولم يشتغل بها المعلم الأول. بل الواردون من بعد، المحبون للتكثير، الموجبون على غيرهم الشرع فيما لا يعنى اضطرارًا إلى الموافقة بما يحيطون فيه أيضًا في ذلك التكثير. وأما: قولك: كل إنسان قابل كل صناعة، فان السور هاهنا مقرون بالصناعة، والصناعة ليست المحمول الذى لولا السور كان يكون محمولا، بل جزء من ذلك المحمول. وذلك المحمول بتمامه قولك قابل الصناعة، فلو قال كل إنسان كل قابل صناعة أو كل صناعة لكان يكون منحرفًا. وأما قوله: الإنسان قابل كل صناعة فليس من المنحرفات، إذ ليس السور مقرونًا بما كان يكون محمولا لولا السور قرنًا من غير زيادة مضافة إليه.
( ى ) فصل
إن وقوعنا إلى المنحرفات كان بسبب بياننا للفرق بين كون القضية كلية وبين كونها كلية الموضوع، فبان فيما بين ذلك أن المهملات ليست في حكم المحصورات الكلية وأنها في حكم المحصورات الجزئية، وهى الأولى بها أن تسمى داخلة تحت المتضادة، وأنها تصدق في الممكنة معًا ولا تكذب ألبتة في موضع معًا. وتأمل ذلك في المواد الثلاث. فلما تمادى بنا الكلام في بيان ذلك احتجنا إلى أن نعرف أن الحصر يجب أن يقع في الحكم من غير تناول للمحمول أيضًا، واحتجنا أن نبين أن تناوله للمحمول كيف يكون، ووقعنا إلى المنحرفات وتأملنا حال الصدق والكذب فيها.