وقد ظن المفسر المذكور أن قولهم: واحد من الناس ليس ولا واحد من الكتاب كاذب. وهذا أيضًا من غفلاته.فإن هذا صادق، فإن الأمى ليس ولا واحد من الكتاب، وهو بعض الناس. فإِن كان السور المقرون بالموضوع جزئيًا، كذب حيث يصدق المقرون بموضوعه سور سالب كلى إِذا وافقه في جميع الأحوال، ويصدق حيث كذب. وجرب أنت بنفسك. وأما إذا كان السور المقرون بالموضوع جزئيًا سالبًا فإنه يصدق حيث تكذب القضية التى سورها المقرون بالموضوع كلى موجب إِذا ساواها في جانب المحمول. وجرب أنت بنفسك. ثم لا تلتفت إِلى ما يقال من أن هذه كلها مرذولة، فلا تستعمل ألبتة. نعم الكاذبات منها بهذه الصفة، وأما الصوادق فإِن السور فيها جزء من المحمول، والسور فيها وما معه كشىء واحد حمل على الموضوع بإِيجاب أو سلب، فإن انتفعت بشىء في موضع من المواضع فاستعمله كما تستعمل سائر القضايا التى ليس في محمولها سور ألبتة. والذى قال إن هذه ليست صادقة لأجل المعانى لأن بعضها يصدق في المواد الثلاث وبعضها يصدق في الواجب والممتنع وأنها ليست موجبات خوالص أو ليست سوالب خوالص، فإنه قال هذرًا من القول. أما أولا فإِن المحمولات إذا جزئت أجزاءًا كان لبعضها مع بعض نسب النسبة التى للقضية نفسها. وهنالك تكون القضايا باعتبار أجزائها على أحوال تخالف الأحوال التى تكون للمحمول بكليته عند الموضوع، حتى يكون فيها سالب وتكون القضية موجبة، فلا تغير هى شيئًا من الأحكام التى للقضية من حيث هى فيها محمولة وموضوعة، وإن أوجبت أحكامًا أخص ومتأخرة عن ذلك. وليس الالتفات إلى القضايا واستعمالها لشىء غير الصدق، فإِن كانت صادقة فاستعملها حيث يدخل فيه، ولا تلتفت إلى أن صدقها كان بسبب كذا، فإن الصادق من أَى سبب كان يؤديك إلى الغرض المقصود إذا كان لك أن تستعمله. وأما قول هذا الإنسان إن هذه ليست صادقة لأجل المعانى، فإِن عنى بالمعنى المعقول من الإيجاب والسلب الذى في القضية فقد كذب، فإن الإيجاب في الصادق منها صادق وفى الكاذب كاذب، وإن عنى بالمعنى صورة القضية فقد كذب. فإن الصدق الذى يقع فيها يتبع صورتها دائمًا. وأما احتجاجه بقياس ألفه على تصديق هذه الدعوى فهو هكذا: إن هذه تصدق في المواد الثلاثة أو في مادتين متضادتين، وما يصدق كذلك فليس صادقًا في المعنى، فإن المقدمة الثانية غير مسلمة، فإن الصادق لايكون صادقا ألبتة إلا بصدق المعنى، وليس الصادق إنما يكون صادقًا أو الكاذب إنما يكون كاذبًا لأجل أنه يعم صدقه في المواد أو لا يعم، بل لأن له موافقة للوجود ومطابقة أو خلافهما في مادة كانت أو أكثر وقوله إنها ليست موجبات خوالص ولا سوالب خوالص فهو قول باطل، فإن الإيجاب والسلب لا يقبل الغش والخلوص، فإِن أَى معنى جعلته محمولا فحكمت بوجوده للموضوع فهو إيجاب بالسواء وأَى معنى جعلته محمولا فحكمت بلا وجوده للموضوع فهو سلب بالسواء. فإذا أَخذنا قولنا: كل حيوان، أَو بعض حيوان، أَو لا شئ من الحيوان، أَو لا كل حيوان كمعنى واحد أَمكن أَن يجعل محمولا بجملته، ليس على أن المحمول جزء منه الذى هو الحيوان ولا الذى هو السور بل الجملة. ثم إن أوجبناه كان إيجابًا بالحقيقة، وإن سلبناه كان سلبًا بالحقيقة، وكان لنا مع ذلك أن نجعل الإيجاب والسلب كليًا أو جزئيًا. ومع ذلك فلا نظن أن هذه المواد مواد القضايا، بل هى مواد أجزاء المحمولات، فإن قولنا: كل إنسان هو لاشئ من الحيوان، مادة هذا المحمول هو الممتنع وإن كان مادة جزء منه وهو الحيوان هو الواجب، وليس الحيوان هو المحمول حتى يكون لمادته اعتبار حتى يكون الشئ لما صدق في مواد مثلا ليست مواد القضية بل مواد أجزائها فقد أذنب هذا الصدق واستحق أن يرذل. فأمثال هذه الأشياء لا يجب أن يقع إليها إلتفات.