ونقول الآن: إنك تعلم أنّ ذات كل شئ واحدٌ، فيجب أن يكون ذات الشئ لايزداد ولا ينتقص؛ فأنه إن كان ماهية الشئ، وذاته هو الأنقص من حدود الزيادة والنقصان، والأزيد غير الأنقص، فالأزيد غير ذاته. وكذلك إن كان الأزيد، وكذلك إن كان الأوسط. وأما المعنى المشترك للثلاثة الذي ليس واحدا بالعدد، بل بالعموم، فليس هو ذات الشئ الواحد بالعدد، فليس لك أن تقول: إن الزائد والناقص والوسط تشترك في معنى واحد، هو ذات الشئ، فإذن ذات الشئ لايحتمل الزيادة والنقصان، فما كان مقوما لذاته لايحتمل الزيادة والنقصان؛ فإنه إنْ كان، إذا زاد قوّم ذاته بزيادته، فذاته هو الأزيد، وإن كان لايقوّم ذاته بزيادته ويقوم بنقصانه، فذاته هو الناقص؛ وإن كان لايقوم في إحدى الأحوال، فليس بمقوم من حيث هو يزيد وينقص، اللهم إلا بالمعنى العام، وفيه ما قلناه. وعلى أن هذه المعانى لايمكن أن يقال فيها عند الزيادة إنَّ الأصل موجود، وقد أضيف إليه شئ، بل إذا ازدادت فقد بطل الموجود أولا، وفي بطلانه بطلان المقوم، وفي بطلانه بطلان المتقوم. وكذلك في اعتبار النقصان إذا كان الأصل ليس بعينه عند الحالة الأولى، وعند الحالة الثانية وهى النقصان. فقد تَبَيَّن أنّ الفصل الذى هو خاص الخاص لا يقبل الزيادة والنقصان.
وأما سائر الفصول فإنها لما كانت بعد الذات، فلا مانع يمنع أن تقبل الزيادة والنقصان - كانت مفارقة كحمرة الخجل وصفرة الوجل، أو غير مفارقة كسواد الحبشى - وليس إذا كان بعضُ الناس أفهمَ، وبعضُهم أبلد، فقد قبلت القوة النطقية زيادة ونقصانا، بل ولا لو كان واحد من الناس لايفهم ألبتة كالطفل، فإن ذلك لايكون عارضا في فصله؛ وذلك لأن فصله هو أنّ له في جوهره القوةَ التي إذا لم يكن مانع، فَعَل الأفاعيل النطقية؛ وتلك القوة واحدة، ولكنها يعرض لها تارة عوز الآلات، وتارة معاسرتها وعصيانها، فتختلف بحسب ذلك أفعالها تارةً بالبطول والسقوط، وتارةً بالزيادة والنقصان، ومعناها المذكور ثابت، كنار واحدة تختلف أفعالها بحسب اختلاف المنفعلات عنها هذه الوجوه من الاختلافات، فتكون تارة أشد اشتعالا، وتارة أضعف، وذلك بسبب المادة التي تفعل بها وفيها. وكذلك القلب والدماغ آلتان للقوة النطقية، بهما يتم أول فعلها من الفهم والتمييز، وغير ذلك؛ فبحسب اعتدال مزاجيهما ولا اعتداله، تختلف هذه الأفعال، وليس الذهن ولا الفهم ولا شئ من أمثال ذلك فصلا يقوّم الإنسان، بل هى عوارض وخواص؛ والزيادة في مثل هذا الاستعداد المذكور والنقصان فيه أمر يحصل في الاستعداد المتولد من استعدادين: استعداد الفاعل، واستعداد المنفعل؛ فأما الذي للفاعل نفسه فغير مختلف.
واعلم أنّ الفصل، الذي هو أحد الخمسة، هو الناطق الذي يحمل على النوع مطلقا، لا النطق الذي يحمل على النوع بالاشتقاق؛لأن هذه الخمسة أقسام شئ واحد، وهو اللفظ الكلى. وصورة اللفظ الكلى في جميعها أن يكون مقولا على جزيئاته، ويشترك فيه بأن يعطيها اسمها وحدّها، والنطق لايعطى شيئا من الجزيئات اسمه ولا حدَّه؛ وهذا - إنْ قيل فصل - فهو فصل بمعنى غير الذي كلامنا فيه. وكذلك فافهم الحال في الخاصة والعرض؛ فإنه يجب أن يكون حمل هذه الخمسة على قياس حمل الجنس والنوع، من حيث هو حمل، وإن لم يكن من حيث الذاتية والعرضية.
(يد)