وإذ قد تبين هذا، فإذا أخذت الكبرى مهملة أوهمت الصدق، وإذا جعلت كلية كذبت. فهذان المثالان، مثال ما تكون الحدود منه مرتبة ترتيبها، ولكن في تحصيل كميتها تخليط، وربما كان التخطيط في روابط الحدود. وذلك لأنه ربما عبر عن القياس بأن يبتدأ من المحمولات، فيحتاج حينئذ إلى زيادة لفظ ليس داخلا في الحدود، وإنما هو رابطة أو شبه رابطة. ثم يقع فيه اشتراك كمن يقول: إن في الصحة ولا في شيء من المرض، والمرض في كل إنسان. قيل: وقد يظن أنه يعرض من هذا أن الصحة غير ممكنة أن تكون في واحد من الناس. ولكن لقائل أن يقول: إنه أخذ النتيجة ضرورية، وهذا مما لا يلزم عن القياس عنده، وإن كان قياسًا. والذي يظن أنه يلزم عنه، هو أن الصحة ليست ولا في واحد من الناس. وهذا يكون حقًا على النحو الذي الصغرى به حق، وهو أن المرض في كل إنسان. فإن أخذت الصغرى ممكنة؛ فهذا على النحو ممكن؛ وقد حكتم أن هذا القياس ينتج ممكنة. وإن أخذ الصغرى مطلقة،وصح إطلاقها، فهذه النتيجة أيضًا تصح مطلقة. والذي نقول في الجواب عن هذا: أن النتيجة مأخوذة ضرورية، والكبرى مأخوذة ضرورية، والصغرى مأخوذة ممكنة.
وإذا قد استدل في التعليم الأول على صدق الصغرى من جهة القبول. والقبول لا يدل على الوجود، بل على الإمكان. على أن كل إنسان يصدق عليه أنه مريض مطلقًا، إذ كل إنسان مائت، وكل موت يفتقده مرض، ولو زمانًا يسيرًا. فمن القياس أن تقال الصحة بالضرورة، لا على شيء من المرض. والمرض، إن شئت، قلت: ممكن، أو شئت قلت: موجود في كل إنسان. فإن أخذت الصغرى مطلق،وجب أن تكون النتيجة ضرورية اتفاقًا. وإن أخذتها ممكنة، وجب أن تكون النتيجة ضرورية على حسب اعتبار الحق، وإن لم يكن عليه اتفاق. وعلى أن المعلم الأول يومئ إلى أنه يأخذها ممكنة، فيتضمن ذلك أن رأيه هذا الرأي. لكنه يقول ما يقوله في الاختلاطات على سبيل الامتحان. وبعد هذا فإن النتيجة الضرورية كاذبة، وسبب كذبها أن دلالة لفظة"في"في الكبرى ما يشبه الرابطة. ولذلك يصدق أن نقول: ولا شيء مما هو مرض بصحة. وفي الصغرى هي جزء من المحمول. ولذلك لا نقول هناك: إن كل إنسان مرض، بل نقول: بل كل إنسان فيه مرض. فتكون لفظة"في"في الكبرى تدل على أن حمل لفظة"في"في الصغرى لا تدل على أن الأوسط محمول على الأصغر، بل موجود فيه. فإن أصلح حتى قيل مثلًا: كل إنسان فيه مرض، أو هو مريض، أو ذو مرض. ثم قيل: ولا شيء مما هو مرض بصحة، لم يكن قياسًا. فإن أصلح كرة أخرى فقيل: ولا يمكن أن يكون شيء مما هو مريض بصحة أنتج حقًا: وهو أنه لا أحد من الناس يمكن أن يكون صحة. وإن سلك به إلى أن ينتج المحال، وهو أنه لا شيء من الناس يمكن أن يكون صحيحًا، يجب أن تقال الكبرى: ولا شيء مما هو مريض يمكن أن يكون صحيحًا. فتكون هذه القضية كاذبة. وهذا نوع من الغلط يقع حيث تكون الحالات أخذت مكان قوابل الحالات، وأخذت الصحة مكان الصحيح والمرض مكان المريض بالقوة، وإن لم يكن بالفعل. فهذه أنحاء من الغلط تعرض بسبب الأمور الداخلة على الحدود مثل: الحصر، والإهمال، والربط.
(ح) فصل
في تعريف وجوه آخر من الاعتبارات المأخوذة من الحدود ومن نفس الحكم، لا بالقياس إلى النتيجة، يسهل بها التحليل ولنود الآن وجوها من الاعتبارات يجب أن تراعى حتى لا يتعذر التحليل. وتلك الاعتبارات في نفس الحدود، وفي نفس الحكم، لا بالقياس إلى النتيجة، ولا أيضًا من جهة الدواخل. فمن ذلك ما في نفس الحدود. وذلك أن الحدود ربما لم تكن ألفاظًا مفردة؛ بل تكون ألفاظًا مركبة، مثلا لا يكون الحد الأصغر: الإنسان، بل الحيوان الناطق المائت؛ فتشوش حينئذ عليك أفراد الحدود، لأنك لا تجدها ثلاثة، بل أكثر؛ ويصعب عليك تمييز بعضها عن بعض. فاجتهد حتى تجد لجملة جملة منها اسمًا مفردًا، فإن لم تجد فعليك أن تضع لجملة جملة منها اسمًا وفردًا. وربما كان الأول أن تبدل اسمًا مكان اسم، وأن تصلح مثلًا مقولًا في العبارة.