فهرس الكتاب

الصفحة 358 من 781

ومن الأمثلة الموردة لهذا ما يجب أن يفهم لا على ما فسره عليه شيخ النصارى، ولا على ما فسره عليه فاضل المتأخرين. قال: إنك إذا أوردت مثلًا أن تبرهن، فتجعل الحد الأصغر متساوي الزوايا، والأوسط المثلث، والأكبر متساوي الزوايا لقائمتين،لأنك تحتاج إلى أن تبرهن على المتساوي الزوايا بسبب المثلث، لأن هذا المثلث أولى، أي ليس مقولًا عليه بسبب القول على أعم منه، وإن كان بينهما وسط؛ فيكون ما تنبيه وتفهمه، وهو الحد الأكبر، كلامًا وقولًا لا لفظًا مفردًا. فكذلك فاعلم أنه ربما كان الأوسط لا لفظًا مفردًا، لكن مركبًا، مثل هذا الأكبر. فإذا طلبت أن تجعل الحد الأوسط مفردًا من جملته لم بنحل لك الإشكال. وأن تتأمل حال الألفاظ التي هي أدوات أو كالأدوات وهي التي حقها أن تكون جزءًا من جملة المحمول أو الموضوع. فيعرض من الإخلال ما عرض فيما سلف ذكره. مثل قولك: إن علمًا واحدًا موجودًا في الأضداد. وإن الخير موجود للحكمة. فإن"في"في الأول جزء من المحمول، لأن معناه: الأضداد فيها علم واحد. وحرف"اَ"في الأخرى ليست جزءًا من شيء، بل هي حرف دال على الربط. فإذا وجدت شيئًا في الحدود من هذا الجنس، فانظر هل هو جزء، فاحتفظه جزءًا وأضفه إلى ما هو قرينه، واجعل منهما حدًا واحدًا، وطرح الآخر، واقلب القضية إلى عبارة لا تحوجك إلى استعمال ذلك. فإنك إذا قلت: الخير موجود للحكمة، احتجت إلى هذا اللام، وإذا قلت الحكمة خير استغنيت عنها، فعلمت أن اللام ليس جزءًا من المحمول البتة. فأما إذا قلت: علم واحد في الأضداد؛ ثم قلت: الأضداد فيها علم واحد؛ لم تستغن عن لفظة في، أو لفظة أخرى تقوك مقامها. وقد يتفق أن يكون مثل هذه اللفظة، في الصغرى والكبرى جميعًا، دالة على الجزء، كقولك: كل كيفية ففيها تصديق، وكل ما فيه تصديق فاه موضوع، فكل كيفية لها موضوع. وربما اختلف الأمر في المقدمتين، فكان الدال على الجزء في الكبرى والآخر في الصغرى، كقولك: العلم موجود في كل كيفية، والكيفية موجودة في كل بياض. وربما كان بالعكس، كقولك: الخير موجود في العلم، والعلم موجود في كل كيفية. وليس هذا في الإيجاب وحده، بل وفي السلب أيضًا، كقولك: ليس في الكون كون، وليس للحركة حركة. فإنك إذا أخذت لفظة"اَ"ولفظة"في"دالتين على الحمل، كذبت القضيتان؛ وإن أخذتهما جزئيين من المحمول صدقتا جميعًا. فإنك إذا قلت: لا شيء من الكون موجود للكون، والكون موجود في كل لذة، فأخذت اللام في الكبرى جزءًا، أنتج من هذا أن اللذة ليس لها كون. وهذا حق، إذ كل لذة كون، والكون ليس له كون. وإذا أخذت دالًا على الحمل، لم يصح قولك: إن الكون ليس موجودًا للذة، أو ليس محمولًا عليها. وكذلك العلامة ليست موجودة للعلامة، والعلامة موجودة للضحك. وكذلك الوقت موجود لله. وزمان يحتاج إليه ليس موجودًا لله. وهذه الأشياء تخلصك عنها قول المقدمات على الترتيب المستعمل. فإنه وإن كان وضع الحدود يحوجك أحيانًا إلى أن تقول: إن الحيوان على الإنسان، والإنسان على الكاتب. فإن استعمال المقدمات لا يحوجك إليه، فإنك لا تقول في استعمال القياس هذا، لا في الكتب، ولا في المخاطبات، بل تقول: كل كاتب إنسان، وكل إنسان كاتب، وتكون قد تخلصت عن شبهة الزائد على الحدود. وقد يعرض الغلط في الحدود من جهة شرائط هي بالحقيقة أجزاء من الحدود، ولكنها لا يصرح بها، أو يختلف التصريح فيها. فيجب أن يصرح بجميع ذلك، ويحضر بالفعل، ثم تحاول التحليل. مثال ذلك إن قولك: إن غير المتناهي لا يعلم، ليس بالحقيقة صادقًا، فإنه إن كان عددًا علم من جهة ما هو عدد، وإنما يجهل من جهة أنه غير متناه، وليس أنه غير متناه وأنه عدد معنى واحد، فيجب أن تزيد فيه، وغير المتناهي لا يعلم من جهة ما هو غير متناه، وأما ما يكون كقولك: الإنسان حساس، فلا يحتاج إلى ذلك فيه. واعلم أنه ربما صدق القول مرسلًا، فإن زيد شرط كذب. فإنه صادق أن الإنسان حساس، وليس بصادق أن الإنسان حساس للنفس. وربما كذب مرسلًا كقولك: إن الإنسان معدوم. فإن قيل: معدوم النظير، صدق. وأما ليس كذلك، فليس شيء يصدق بشرط هو داخل لا مدخول فيه، وإلا هو صادق مرسلًا. فإن الشيء إذا كان مملوكًا لزيد، فهو مملوك لا محالة. وما كان يميننا لعمرو فهو أيضًا يمين. فإن الشيء ما لم يكن له المعنى الأعم لم يكن له

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت