فهرس الكتاب

الصفحة 719 من 781

فصل

إن الظلم قد يكون بحسب مخالفة السنة المكتوبة، وقد يكون بحسب مخالفة السنة الغير المكتوبة. وكل ذلك: إما في الملك، وإما في الكرامة، وإما في السلامة. وكل ظلم: إما بحسب واحد، كمن يضرب واحدًا أو يأخذ ماله أو بحسب المدينة، كمن يفر من الزحف، ولا يشارك في البيعة. والظلامة حال المظلوم من حيث ظلم. وذلك كما علمت بالمشيئة، وطوعا، وعلى أقسامه. وليس كل مضرة ظلما، ولا كل منفعة عدلا. وبإزاء المتظلم المتنصل. والمتنصل: إما أن ينكر أصلا لما رفع عليه في قصة الدعوى وغما أن يقر به، وينكر وقوعه على الجهة التي يكون بها ظلما، كما يقول: إنه أخذ ولم يسرق، وإنه عاشر ولم يفجر، وإنه كان أخذ الزينة غافلا عن كونها وقفا على المصلي، وإنه فعل ما شكى فضحه المفعول به، لكنه فعله سرا غير جهار، وعلى جهة لم يفصح به، وإنه واطأ العدو احتيالا عليه لا له. فإن أصناف الظلم والفضيحة والاستهانة والزنا إنما تصير ظلما، لا لنفس الفعل، بل لوقوعه على جهة، وبالمشيئة. فيكون الاعتذار: إما بإنكار نفس الفعل، إو بإنكار وقوعه على جهة يكون بها ظلما، أو لوقوعه كذلك غلطا وسهوا، لا بالمشيئة. وهذه الجهات تتحدد بالشرائع المكتوبة والمشتركة. أما المكتوبة فيرجع إليها في كميتها. وأما غير المكتوبة فإن العدل والجور يتفاضل فيها على حسب تفاضل الخير والشر، إما من جنس ما يستحق به المدح أو الذم، وإما من جنس ما يستحق به الكرامة والهوان.

ومثال الأول أم من قال. ينبغي أن نحسن إلى المحسن، ثم فعل ذلك، استحق المدح بفعله ومن قال: ينبغي أن نحسن إلى الإخوان كافة، ثم فعل ذلك، استحق الكرامة منهم أيضًا لفعله.

وكثير من العدل لا يكون بحسب المكتوبة مفصلا. فإن الحلم يعد في السنة المكتوبة عدلا من غير تفصيل ملخص، ثم يفصل بالسنة الغير المكتوبة المشتركة. فإن الحلم في بعض المواضع رذيلة وجور بحسب السنة المشتركة، كما قيل: إن بعض الحلم عجز. وإنما يقع هذا الإيهام في السنن المكتوبة حيث لا يفصل العدل والجور على واجبه، ويحتاج أن يردف حكم السنة المكتوبة فيه بحكم السنة الغير المكتوبة لشيئين: أحدهما أن يكون المتعرض للشرع غير مؤيد من السماء، وإنما هو متكلف خارجي فيجهل ويتهم وإما لأن الأمر في نفسه غير ممكن إنهاؤه إلى آخره تفصيلا، لأن المخصصات الجزئية لا نهاية لها. فيكون الشارع إنما يشرع أحكاما كلية، يحتاج أن يستعان في تفصيلها بحسب الواقعات الجزئية بالمحمودات والسنن الغير المكتوبة، وهي التي تسمى عند الجمهور عقلا. ومثال هذا أن الشارع إذا قال: من قتل بالحديد، فيلزم أن يقتل بالحديد، فليس يمكنه بعد ذلك أن يفصل جميع وجوه القتل بالحديد، من جهة القتل، أو من جهة الحديد، أو من جهة المضرب، أو من جهة عوارض جزئية أخرى، ربما تعرف لها أحكام وتكون غير محدودة ولا مضبوطة، ودون إنهائها فناء العالم. فبين أن كثيرا من الظلم والعدل، إذا كان ظلما وعدلا بحسب الشريعة المكتوبة، فربما يجد المعتذر فيه مخلصا بالتجائه إلى السنة الغير المكتوبة على سبيل التفصيل. وربما كانت السنة الغير المكتوبة تخالف المكتوبة أصلا، كما كان في بعض السنن المكتوبة القديمة أن لابس الخاتم، إذا شال يده غير منكوسة، استحق التأديب ونسب إلى الظلم، والسنة الغير المكتوبة تبيح له ذلك.

وقد تختلف السنة المكتوبة وغير المكتوبة بالعكس من ذلك: وهو أن تكون المكتوبة قد تحدد وتحصر في أقل، وغير المكتوبة توجب على العموم. فإن السنة الغير المكتوبة توجب الإحسان إلى الإخوان كافة وربما منعت المكتوبة الإحسان إلى بعض الإخوان. وكما أن السنة المكتوبة ترى كل حلم عدلا، والمشتركة تفصل ذلك، وقد توجب خلاف ذلك. فإن السنة المشتركة ربما رأت الحلم في بعض المواضع واجبا، ورأت العقوبة قبيحة، وكانت السنة المكتوبة لا ترى ذلك بل تخصص ذلك الموضع. مثاله: أن السنة المشتركة توجب أن يكون المقدم على سرقة الطفيف يحلم عنه ولا يعاقب والسنة المكتوبة توجب قطع اليد في سرقة دينار عند قوم، وربع دينار عند آخرين. وهذا مما تشمئز عنه المشتركة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت