وقد بان من عرض ما تكلمنا أن العلوم لها مطالب قد يشارك فيها الجدلي، وذلك إذا كان المشهور قد يقاس منه عليه أو على نقيضه؛ ومطالب لا يتكفل الجدلي الكلام عليها. وأن الجدلي قد تكون له مطالب مشتركة، ومطالب خاصة، وهي التي قد يسلك إليها من المهور. ولكن الطريق إليها من الأولى الحق متعذر.
فصل (ط)
فإذا قد تكلمنا في أبسط الأمور الجدلية وهي المحمولات؛ ثم التي تليها وهي ما منها الكلام الجدلي أعني المقدمات؛ وما فيه الكلام أعني المطالب، فيجب أن ننظر في نفس الكلام الجدلي وهو الذي إليه غاية التركيب، وهو الحجة، فتقول: وكل حجة إما قياس، وإما استقراء؛ وقد عرفتهما. والقياس أقرب إلى العقل وأشد إلزاما، فإنه إذا سلم المقدمات في القياس لزمته النتيجة لا محالة. والاستقراء أقرب إلى الحس، وأشد إقناعا، وأوقع عند الجمهور لميلهم إلى الأمثلة؛ إلا إنه أضعف إلزاما: لأنه إذا سلمت مقدمات الاستقراء، أمكن أن لا يلزم المطلوب، إذ قد يمكن أن يوجد جزئي مخالف. فالاستقراء والقياس هما أصلا حجاج الجدل، ويتم ذلك بالمواضع.
وتكتسب الملكة الجدلية بأدوات أربع: أحدها أن يكون الجدلي قد اكتسب المشهورات وجمعها، وحفظ ما يراه الجمهور وأكثرهما، وما هو مضاد أيضًا لما يرونه مضادة النقيض، أي يكون مناقضا لما يرونه، فإنه ينتفع فيه بالذات في قياس الخلف، وبالعرض بأن ينتقل مع الشنع إلى مقابله، فيجوزه إلى جمله الذائع المحمود؛ ويجوز أن يعني به ينتقل نقيضا الشهرة من أحكام في الأضداد إلى أحكام في الأضداد؛ على ما علمت.
ويجب أن تعلم أن من الذوائع ما هو مشهور جدا، ومنها ما هو مقارب ويؤيد بمثال، ومنها ما لم يذع ولم يذكر ولم يتقارب، إلا إذا ذكر وأخطر بالبال حمده الذهن المشهوري في أول وهلة حمدا واضحا، أو دون ذلك، وإن لم يكن سمعه البتة؛ لكنه يحمد كما يسمع ويقبل، وخصوصا إذا أيده مثال.
وكثير من المواضع التي تأتي بعد من جملة ما لم يشتهر، ولم يعرف، ولكنه كما يقال قولا، ويؤتى له بمثال يقبله الجمهور. والسبب فيه مناسبات تجري بينه وبين خيالات لهم، ومشهورات عندهم،أو تواتر شهادات والثقة أيضًا؛ ولأكثرها أسباب ذهنية حتى يكون هناك موجب لا يشعر به، ولو شعر به لكان قبوله على سبيل الحجة لا سبيل الحمد، وربما وضعوها وسلموها لاستقراء ما لا يجوزون له نقضا ومعاندة.
ويجب أن تكتسب الذوائع التي تكون بالقرينة، على ما أوضحناه وبيناه؛ وذلك على سبيل المشابهة، أو على سبيل المقابلة. ويجب مع ذلك أن تعمد إلى الآراء الخاصية بصناعة صناعة، وما قد أجمعوا عليه، أو قاله المتقدم فيها؛ مثل آراء"أبقراط"في الطب، و"فيثاغورس"في الموسيقى، وغير ذلك، فتجمعها جمعا، وتعلم أن المقدمات والمسائل ثلاثة أصناف: أحدها منطقية تراد لغيرها من الأمور النظرية والعلمية. والثانيخلقية، وهو فيما إلينا أن نعلمه، وهو المتعلق بالمؤثر والمهروب عنه، إما تعلقا أوليا، مثل قولنا: هل أفعال العفة سعادة أو ليست؟ وإما تعلقا ثانيا، وهو أن تكون نفس المسألة ليس رأيا هو تعليم عمل أو كسب خلق، لكنه نافع في ذلك، ويطلب لأجل ذلك؛ كقولهم هل يمكن إزالة الخلق؛ وكقولهم: هل العدالة تقبل الأشد والأضعف. والثالثة طبيعية؛ ولست أعني بالطبيعي الجزء الطبيعي الخاص فقط، بل أعني به جميع ما ينظر في الأمور الموجودة في الطباع التي ليست منسوبة إلى أنها تكون نافعة لنا بوجه من الوجوه؛ وربما كان فيها ما ينفع في أفعالنا كمعرفتنا أن النفس باقية، وأنها يجب أن تفارق البدن مقدسة طاهرة، فغن هذا ينفع بوجه من الوجوه في العلم الخلقي، ولكن لا بذاته وأولا من حيث ينظر فيه الطبيعي وعلى أنه لأجله، بل ثانيا.
ولنسرد أمثلة الأصناف الثلاثة في موضع واحد، فنقول: أما مثال المسألة المنطقية فقولنا: هل المتضادات يوجد حد بعضها في بعض؛ وأما مثال المسألة الخلقية، فقولنا: هل اللذة مؤثرة جميلة أم لا؟ وأما مثال المسألة الطبيعية، فقولنا: هل العلم أزلي أم محدث؟ وهل النفس تفسد أم تبقى؟