وقياس المقاومة ايضا انما يرجع الى الاشكال. وقياس المقاومة قياس مؤلف معد نحو انتاج مقابل مقدمة في قياس لتبطل فيمنع القياس يمنع المقدمة التي عليها مدار ذلك القياس وهي التي تؤخذ كبرى. فالمقاومة يقصد بها قصد المقاومة الكلية في القياس. فانها أس القياس، وتكون على وجهين: إما عنادا، واما مناقضة. والعناد ان تجعل المقدمة الكبرى في القياس الذي تقابل به المقدمة الكلية أشد عموما من تلك المقدمة ومخالفة لها في الكيفية. فيكون الحكم في المقدمة الاولى هو على شئ عام كالأضداد مثلا. ويكون الحكم عليها ان العلم بها واحد فيجئ المقاوم ويأخذ ما هو أعم من الاضداد ويحكم عليه بضد الحكم، وهو ان يسلب عنه الحكم سلبا كليا. فنقول: ولاشئ من المتقابلات يكون العلم بها واحدا. ونضيف اليه فنقول: ان المتضادات متقابلات. واذا كان القياس الاول على موجب، وكان القصد في كبرى القياس الثاني مقابلة الحكم بالضد الاهم، لم يمكن ان يكون هذا القياس على وجه من الشكل الثاني، فإن الشكل الثاني يحوج الى عكس هذا الحكم. وبيان هذا انك اذا اوردت كبرى المقاومة، فقلت: ولا شئ من المتقابلات يكون العلم به واحدا فلا تتصل به والاضداد متقابلات الا ان تعكس، ولا تنعكس كلية. بل جزئية. وأما اذا كان المقاوم سالبا لتكون المقاومة موجبة، فلا يكون قياس المقاومة ينتج الموجبة الكلية الا في الشكل الاول. ثم ان هذا القياس اذا انتج مقابل كبرى القياس الاول فأضيف اليه الصغرى من القياس الاول بحالها انتج مقابل النتيجة المطلوبة بالقياس الممنوع. فيكون قد قيل: إن بَ آ، لان بَ ج، وكل ج آ. فعورض ان بَ ليس آ، لأن بَ ج، ولاشئ من ج آ فيكون من حيث اخذ الصغرى بحالها من حقه ان يسمى قلبا.
واما المناقضة فأن تكون الدعوى كليا فتورد جزئيا من الموضوع ليس فيه الحكم. ويكون ذلك الجزئي ملوظا اليه اول ما نلحظه للمناقضة، على انه موضوع لطرفي المناقضة. وهذه الهيئة ليست هيئة الشكل الاول ولا الشكل الثاني. فاذن كل مقاومة موجبة، اما في الشكل الاول، واما في الشكل الثالث. واما في الشكل الثاني فلا يمكن مقاومة موجبة. واما السالبة فلا تتبين به الا بأن يغير الكلام في المقدمة الكبرى عن وجه المقاومة، وهو ان يكون موضوعه هو بعينه موضوع المقاومة. مثلا نقول: إن الاضداد متقابلة، ولاشئ مما به العلم واحد بمتقابل. فنغير الدلالة على البيان بنفسه الى ابانته بالعكس، فان البين بنفسه اذا كان انه لاشئ من المتقابلات العلم به واحد، فأخذت بدل هذا عكسه، لم ذعن له الذهن اذعانه لهذا، بل احتيج ان يذكر ان السالبة الكلية تنعكس فتحتاج ان تزيد في الكلام ما عنه غنى. ونحن وإن قلنا: إن السالبة الكلية تنعكس مثل نفسها، فلم يضمن ان عكسها مثلها في البيان. ويجب ان نتأمل في المقاومة ما يوجبه الراي المحمود فتؤخذ المقاومة مقدمة محمودة ان لم تكن أولية، ويستعان فيها أيضا بالقياس الاستثنائي. مثلا انه لو كان العلم بالأضداد واحدا، لكان المعلوم والمجهول يقع عليهما علم واحد. وكذلك بالنظر في الاضداد، والنظر في الاشباه، كقولهم: لو كان العلم بالمضافين واحدا، لكان بالعدم والملكة واحدا.
وههنا أشياء أخر من هذا الباب تبين في الفن المشتمل على الجدل.
(خ) فصل
وقد جرت العادة في هذا الموضع أن يسمى بالدليل ما يكون مؤلفا من مقدمتين، كبراهما مقدمة محمودة، يراها الجمهور ويقول بها، وتؤخذ حجة ودليلا لاعلى سبيل ان جزءا منه دليل على جزء آخر مثل الدخان على النار، بل على ان نفس القول الحاصل من الجزئين معترف به فهو دليل. وربما كان على امر مستقبل، وربما كان على امر حاضر، وربما كان عاما، وربما كان على الاكثر، مثل قولهم: ان الحساد ممقوقون، والمنعمون مودودون. فان هاتين المقدمين دليلان او منهما يتخذ الدليل. وليس الغرض ان نفس المقت او الود علامة ودليل، او نفس الانعام والحسد؛ بل على ان هذا القول نفسه دليل أي متبع مقبول محمود مرجوع اليه، فإن الدليل في هذا الموضع يراد به هذا. فيكون الدليل اما على ان امر لانها ممكنة؛ واما على ان الامر قد دخل في الموجود او لم يدخل. هكذا يجب ان يفهم هذا الموضع.