فهرس الكتاب

الصفحة 546 من 781

ويشبه أن يكون الموضع إنما سمى موضعا لأنه جهة قصد للذهن، معتبر، معتد به. وكما أن الموضع المكاني يقال عموما على كل مكان معين، ويقال خصوصا على الموضع الذي له خاص حكم يعتد به، حتى يقال: إنه لموضع أمن وإنه لموضع خوف؛ كذلك قد يخص ما يهم التفات الذهن إليه موضعا فيقال: إن هنا موضع بحث وموضع نظر، فكان الحكم النافع على سبيل القانون موضع انتفاع، وموضع اعتبار وحفظ.

وهذا الكتاب ليس كله نظرا في المواضع، بل ذلك أكثر أجزائه. وفيه نظر يتقدم المواضع، ونظر يتأخر عن المواضع، لكن عمدة ما فيه وأكثره هو الموضع. وسائر ذلك إنما يقال في كيفية اكتساب الموضع، أو في كيفية استعمال الموضوع. وقد يسمى الكتاب باسم الغالب من أجزائه، أخذا من مقدار الكتاب، واستيلاء على غرض الكتاب.

فصل (ه)

أما القياس المطلق فقد تحققته، والصنف البرهاني منه أيضًا فقد تصورته وأما الجدلي فقد عرفناه بالجملة ما هو، وأنه كيف يخالف البرهاني؛ فإن البرهاني مقدماته من أوائل في العقل، أو بينة عن الأوائل، والجدلي عن المشهورات. والحق ينظر إليه في نفسه، والشهرة ينظر إليها من حيث التعارف لتسليمه. فمنه المشهور والمطلق الذي يسلمه الجمهور، ومنه ما هو مسلم عند أكثرهم، مثل أن الله واحد. ومنه ما هو مشهور محمود عند الفلاسفة والعلماء منهم مثل المشهور عند الحكماء، هو أن الجميل أفضل من اللذيذ، ومنه ما هو فاضل منهم؛ كما هو مشهور محمود عند أصحاب التعليم الأول من أن الفلك طبيعة خامسة.

وهذه المشهورة بحسب عدة من الحكماء، أو واحد منهم، إذا كان مضادا لما عليه المشهور المطلق عند الجمهور ومستشنعا، لا ينتفع به في القياسات الجدلية المطلقة. فإن القياسات الجدلية منها ما هي مطلقة يخاطب بها المجهور وأكثر من يجري مجراهم، ومنها ما يخاطب به صاحب رأي خاص.

ولما كانت القياسات الخطابية والشعرية خارجة عن الانتفاع بها في المخاطبات التي تنحو نحو الأمور الكلية فليس بنا كثير حاجة إلى الفرق بين الجدلية وبينها؛ ولكن اللواتي تشبه الجدل من المقاييس هي البرهانية؛ وقد عرفت الفرق بينهما. وبعد البرهانية المقاييس الأربعة التي يسمى بعضها مشاغبية مرائية، وبعضها سوفسطائية، وبعضها عنادية، وبعضها امتحانية؛ وقد عرفتها. لكن المشاغبية لا تخالف العنادية إلا بالقصد والغرض. فأما في مادة القياس وصورته فحكمها واحد. وكذلك السوفسطائية لا تخالف الامتحانية إلا بالقصد والغرض.

والمشاغبية هي إما من جهة المادة، وذلك أن تكون المقدمات ليست مشهورة على الحقيقة ولكنها مشهورة على الظاهر البادي الغير المتعقب أو مشبه بالمشهور. فهذا إذا كانت صورته منتجة صلح أن يقال له قياس، لأنه قول إذا وضعت فيه أشياء لزم عنها قول آخر. لكنك لست تضع، أو ليس الجمهور يضعونه. وفرق بين أن تقول:"إذا وضعت"وبين أن تقول موضوع، ووضعت. وأما من جهة الصورة فغن يكون القياس غير منتج، لكن المقدمات مشهورة. والقياس يشبه القياس من مشهورات أو ليس قياسا ولا من مشهورات؛ وهذان لا يسميان قياسين لأنه ليس لهما حد القياس، لأنك لو وضعت ما بينهما لم يلزم عنهما غيرهما. ولكن لا يجوز أن يسميا قياسين مرائيين أي قياسين لا في أنفسهما بل عند المماري؛ كما يقال سفينة حجر، ولا يقال سفينة؛ لأنه لا تكون سفينة من حجر. ولكن إذا قيل هذا اللفظ فهم أنه ليس يعني أنه سفينة بالحقيقة، بل يعني أنه مشابه بوجه ما للسفينة وإن لم يكن من حيث هو سفينة.

فهذه الأنواع من القياس، أعني المشبهة بالقياسات الجدلية، إذا كانت الغاية فيها نفس الغلبة فقط، لا لأنها غلبة بل ليظهر عجز المدعى لما ليس فيه، سميت عنادية، وإذا استعملها المغالطون ليوقعوا الغلط، سميت مشاغبية. وإذا استعملها الحكماء ليستوضحوا محل المدعى الكاذب، سميت امتحانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت