والصناعة الجدلية قد تشاركها الامتحانية والعنادية في الموضوع. وذلك لأن الامتحانية والعنادية في المشهورات، لكنه لما كان مستعملها في مخاطبات علمية وليست المشهورات معدة لها، فهو يستعملها على أنها مشبهة بالصادقة. فلذلك فارقت الجدل من حيث الغاية؛ إذ استعمال المشهورات في العلوم مغالطة، ولكنها تفارق السوفسطائية أيضًا في الغرض والغاية.
والمقدمة الشبيهة بالمشهورة هي التي يخيل وقتا ما أنها مشهورة، ثم إذا تُعُقبت وتُؤُملت ظهر سريعا أنها ليست كذلك فأما التي تبقى بحالها مشهورة، ولا يظهر عن قريب أنها ليست بمشهورة، بل يرى أنها مشهورة، فإنها بالحقيقة مشهورة؛ إذ كان المشهور ليس هو الصدق، بل قبول الأنفس له.
وأما ظهور حال ما ليس بمشهور فهو على أحد نوعين: أحدهما ببيان الكذب فيه عن قريب، والثاني ببيان عدم الشهرة فيه عن قريب. أما بيان الكذب، فلأن المشهور وإن جاز أن يكون كاذبا، فلا يجوز أن يكون شديد ظهور الكذب؛ فإنه إذا كان ظاهر الكذب لم يقبل، وإذا لم يقبل لم يشتهر؛ بل المشهور الكاذب يجب أن يكون خفي الكذب حتى تستمر شهرته.
وأما بيان عدم الشهرة، فإنه وإن كانت المقدمة صادقة، لكنها ليست مشهورة، وأخذت على أنها مشهورة، ولم يكن التعقب يثبت عليها الشهرة، لم ينتفع بها في الجدل، وكانت مغالطة، وكانت كالكاذبة. والتي تكون مع ذلك كاذبة أبعد من النفع.
وأما القسم الثاني من القياسات المشبهة، وهي المخصوصة باسم السوفسطائي، فنسبتها من حيث المادة إلى القياس البرهاني نسبة البرهاني المماري إلى الجدلي. فكما أن المماري إنما كان مماريا لأن ظاهره هو أن مقدماته مشهورة من مبادئ الجدل، وباطنه هو أنها ليست كذلك، بل مقدماته غير مشهورة في الحقيقة، ولا هي مبادئ قياس جدلي في الحقيقة كذلك المغالطي المذكور ظاهره أن مقدماته صادقة، وصحيحة، ومناسبة للصناعة التي فيها المطلوب مناسبة المقدمات البرهانية. على أن تلك المقدمات إما مبادئ تلك الصناعة، أو أشياء تبين بمبادئتلك الصناعة من شأنها أن تعود فتصير مبادئ قياسات، بعد ما كانت مطلوبة وباطنة ليس طذلك. ومادة هذا القياس تعم الأمرين جميعا: أعني التظاهر بما هو صادق ومبدأ للصناعة ليس فيها بمطلوب؛ والتظاهر بما هو ظاهر مما هو نتيجة، ويصلح أن يصير مبدأ. فكذا يجب أن تعلم هذا الموضع، ولا تلتفت إلى ما يقال.
فإذا كان الظاهر فيها هكذا، والحقيقة مخالفة لذلك بأن يكون مقدمة أو مقدمات من القياس ليست صادقة، ولا مبنية على الأصول في الحقيقة، واستعملت على أنها كذلك؛ ثم كان غرض القياس التضليل والإيهام أن ما ينتجه حق يلزم قبوله، وأنه منتج عن حق، فإن ذلك القياس سوفسطائي. وإن لم يكن كذلك، بل كان الغرض فيه اختيار المخاطب لندري منزلته في تمييز المشتبه عن الحقيقي، كان القياس امتحانيا.
وهذا القياس يخالف البرهان بأن البرهان أصل وحق، وهذا مشبه به. ويخالف الجدلي، بأن الجدلي لا يأخذ المقدمات مدعى فيها أنها حق في نفس المر، بل حق من جهة الشهرة؛ ولا يأخذها على أنها مناسبة للمبادئ، وهذا يأخذها على أنها حق في نفس الأمر غير ملتفت إلى ذلك للشهرة، وأنها مناسبة. فلو أخذ للشهرة وكان مشهورا، كان جدليا. فإن أخذ المقدمة المشهورة على أنها مشهورة جدلي، وأخذ المشهورة على أنها حقيقية في نفس الأمر يتوخى بها التعليم، فهو مغالطي سوفسطائي.
ويخالف القياس المشاغبي بأنه ليس يأخذ مقدماته على أنها مشهورة أو متسلمة ويكذب فيها، بل لأنه يأخذها على أنها حقة ويكذب فيها. وإذا وقع للإنسان هذا مع نفسه فغلط، لم يخرج من أن يكون فيها قياسا مغالطيا، كما إذا وقع الحق للإنسان مع نفسه لم يخرج قياسه من أن يكون تعليميا. بل كما أنه ينزل من نفسه بحسب اعتبارين؛ أن يكون معلما ومتعلما، فكذلك قد ينزل من نفسه بحسب اعتبارين: أن يكون مغالطا ومغالطا. وهذا هو مثل ما عمله بعضهم في تربيع الدائرة، إذ أخذ شكلا هلاليا فوجده مساويا للمربع، فحكم أن الدائرة تنقسم إلى الهلاليات. وكما بين بعضهم بنصفي الدائرتين وقع فيهما المركز على موضعه أن خطأ من مثلث مساو للآخرين أو أزيد؛ وهذا شيء معروف.