وأما التقريرات والفحص عن الأحوال بالإنذار والإعذار، وبالترغيب والترهيب، وبالعقاب والثواب فهي أيضًا من جنس الشهادات. فإن كان التقرير موافقا للدعوى، احتفظ به حجة وربى واعتمد عليه، وقيل: لا أكثر من اعتراف على هذه الجهة، وإقرار يصدر في مثل هذه الحالة. وإن كان مخالفا للدعوى، فيقول ما هو الحق: وهو أن المضطر، كالغريق، لا يبالي بأي علقة يتشبث وربما رجى الخلاص بالكذب، كما يرجى الخلاص بالصدق. وإنه إذا صدع المقرر بالحق وصبر عليه فلم يصدقوه، ولم يزالوا يعنتونه تكذيبا إياه وتعذيبا له، ألجئ إلى الكذب، وعدل إليه عن الصدق الذي لم يجد به خلاصا. ويضرب لذلك أمثالا مشهورة عند الحكام من كذب قوم آخرين عند تشديد عليهم. مما يقال حينئذ: إن من الناس من يستنكف أن تذله العقوبة وتضطره الى البوح بما آثر كتمه، وينسبه ذلك عند من يطلب وجهه إلى عجز فلا يصرح بالحق، وإن اختلف عليه ضروب العقوبات ومنهم خوار يقرره أدنى ذاعر. فلا معول على التقرير بالتنكيل.
وأما القسم واليمين، فمنه ما لأجل أن يعطي ما يحلف عليه من عرض أو جاه أو معونة أو غير ذلك، فيأخذه وما يتعلق به. وإما أن يكون لا معطيا فيه ولا آخذا، بل حاكما أو متظلما. وإما أن يكون متمكنا من إعطاء، معفى عن الأخذ، وذلك عن رغبة، كمن يحلف. أن هذا الولد ليس له، حيث يكون حلفه يوجب إلزام الولد غيره، ويكفيه مؤونته. وإما أن يأخذ ولا يعطي. وكل ذلك إما أن يلزم المدعي الحلف أو يلزم خصمه. ومن عرف بالحنث والخبث والفجور لم تكن اليمين التي يقدم عليها موقعا لتصديق البتة. وأما الموثوق به، فإذا حلف، أماط عن نفسه وجوب ما يدعى عليه. والذي لا يحلف، فقد أوجب على نفسه ما يدعى عليه، وكانت فضيلة داعية إلى التصديق بقول الخصم عليه. وكان هذا ضربا من الفضيلة يكون على الفاضل، ليس له.
فمن يخطب في تزييف اليمين يقول: إن هذا لم يزل حانثا في يمينه، ضعيفا في مروءته أو يقول: إن غنم الإقدام على الأقسام منقود، وغرم الحنث نسيئة، والفاجر يؤثر العاجلة على الآجلة.
وأما الملاعنة والاستدعاء إلى اليمين، فقد تكون على سبيل تهور، وقد تكون عن ثقة بجبن الآخر عنه، وخصوصا إذا كان المتحدي بذلك كأنه لا يبالي بما تعقبه اليمين، وإن كانت كاذبة، وذلك الآخر يتقي الشبهة في الصادق وقد تكون على سبيل الثقة بصدق نفسه. ولأجل ذلك أكثر ما يتحدى المتحدون. والأمين ربما غرم، ولم يحلف وربما حلف لتأكيد صدقه، وليزيل الشبهة عن إنكاره، حتى لا يقال إنه استحل أن يكذب عند الإنكار. فلو نكل، لصحح أنه كان قد كذب فيه. وإذا حلف، أزال الشبهة، ولكنه يستصعب ذلك ويستشقه على نفسه. أقول: والكريم من حلف لذلك، ثم غرم. والثقة الأمين ربما آثر الغرامة، وأن يجل الله عن ذكره في مثل ما شجر بينه وبين غيره، ويتنزه عن الإقدام على الحلف به، حيث له عنه مندوحة ببذل مال لكنه يستحيي أن لا يحلف في موضع يوجب هو نفسه الحلف على الآخر فيه، أو يتحداه إليه، كما في المنافرة إلى اليمين.
فمن هذه الأشياء تؤخذ الأنواع النافعة في الدعوى والإنكار الذي يقوله. والمقدم على اليمين الفاجرة، إذا ظهر حنثه، أو المعقود عليه في المستقبل بعقد، وقد أجرى إلى مخالفة حكمه، قد يدفع اللائمة عنه بمثل ما يقول: لقد قهروني على الاستحلاف، أو أجرؤني على الخلاف، أو خدعت، أو وقع مني، أي ذينك كان بلا قصد، أو إنه إنما خالف ظاهر اللفظ، لا التأويل المعتقد والنية المرادة، وإن اللجاج حمله على الزلة لكثرة عناد الخصم، وإن اليمين التي يعتبر حكمها ما تعقده القلوب، لا ما يوجبه اللغو. فإن الشرائع قد أهملت أمر اللغو.
ثمانية فصول فصل
لنتكلم الآن في المخاطبات التي يستدرج بها القضاء والسامعون.