فهرس الكتاب

الصفحة 722 من 781

وكل ما هو خارج عن الأمر نفسه، فإما أن يؤكد به نفس ما يقوله المتكلم بأنه حق، وإما أن يؤكد به ما هو مخالف لدعوى خصمه. وهما وإن تقاربا، فبينهما خلاف: فإنه ليس تصحيح ما يقوله إنسان، هو بعينه تصحيح بطلان ما يقوله خصمه. مثلا: ليس القياس الذي الذي يثبت به، مثلا، حدث العالم، هو بعينه القياس الذي يدفع به قدمه، وإن كان نتيجة لازمة لنتيجة ذلك. فإن القياس الذي نحو الموجب منهما غير القياس الذي نحو السالب منهما، وهما متغايران. وكذلك فرق بين أن يشهد أنه أعطاه وبين أن يشهد أنه أخذ منه، وإن كانا معا. فالشهود إنما تقام على أحد هذه الوجوه.

وأما إبطال الشهادة، فهو بأن يقال: إن الشاهد هو صديق للمشهود له، أو عدو للمشهود عليه. وذلك لأن الشهود ثلثة: صديق، وعدو، وغريب من المدعى والمنكر، لا ميل له إلى أحدهما، الذي بالحري أن تقبل شهادة مثله.

وأما العهود، فإنها إذا وافقت دعوى المشاجر، أعطته مجالا في تزيين أمر نفسه وتعظيمه، إذ قد حافظ على الميثاق، وفي تحقير أمر صاحبه، إذا خفر به ونكثه. وبالجملة: فإن غناء العهد لعارضه على الحكام والحاضرين إنما هو في الإقناع، وإيقاع التصديق بوجوب العمل على مقتضى دعواه، وثبوت ظلم من خالفه وتعداه. وإما في التزيين والتفخيم. والعهد كالشاهد في وجوب ما يوجبه على المكتوب له وعليه. وكالشاهد في التعديل والتجوير والتعظيم والتحقير ونفي الحجة. العهد، إذا وافق الدعوى، فينبغي أن لا يحاد عنه، بل يجب أن تقام به الحجة، وتعظم به الظنية. فإن العهد شريعة شرعها اثنان أو عدة فيما بينهم. والشريعة إنما ترعى وحفظ بالعهد. والعهود ربما كانت خارجة عن حكم موجب الشريعة، مستقة بنفسها، مثل معاهدة اثنين على أن لا يفترقا في سفر، ولا يتخاذلا عند وقوع منكر. وللمدعى أن يقول: إنك إن نبذت العهد وراء ظهرك، فاخلق بأن تنابذ الشريعة وتنسلخ عن السنة. وإن الناس عند عهودهم. وكيف، وإنما عقدوها على اختيارهم! فإن كان العهد مرذولا والاستنامة إليه ساقطة، فقد زال المعاملا، وسقط المشاركات، وما يجري هذا المجرى من الشناعات.

فأماالذي يجد العهد مخالفا لمراده، فيجب أن يقول: كل عهد ليس في الكتاب فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة. وقد كفانا عقد الشرع عقد العهد الذي هو مخادعة ومراوغة. ومن استقصر الشريعة، حتى احتاج إلى غيرها من المعهادة والشريطة، فقد برئت منه الذمة. ومن استقصرها، فقد نسب الناس في قبولهم الشريعة إلى اجتماع على الجهل والضلالة. ثم يقول للحاكم: إن الحاكم خليفة العقل والشرع، وفي ذمته عهدة الاستكشاف، وبالحري أن يستبرئ أحوال العهود المفروضة، فإن صادقها بمعزل عن جهة السنة أوعز بفسخها، وعمل بإبطالها. فلا عهد في معصية الله. فمن القبيح أن يتمكن مدلس من حمل على جور بقهر، ومن إيجاب طاعة لعقد غير عادل بقسر. وإن الشريعة لتتقبل عن رضى واتفاق من العلماء. وأما العهد والإقرار فربما خدع إليه، وربما قسر السلطان عليه. وإذا وجد الخطيب نصا من السنة المكتوبة في سنة تلك المدينة، أو رجع إلى سنة مدينة أخرى أو أمة أخرى، إن لم يجد النص في سنة المدينة، ووجد مشهورا من السنة المشتركة بخلاف العهد، فقد اعتصم الخطيب في إبطال مقتضاه بالعروة الوثقى. وكذلك إذا وجد عهدا آخر سبقه، وقد عهد بخلافه، فيقول: إن الأول من العهدين هو الأولى بالانتهاء إليه والعمل عليه ولو حل نكثه، فأحرى بأن يحل نكث ما بعده. وكذلك إذا وجد عهدا تأخر عقده عنه والشيء بتأريخ بعده، فإنه يستدل بتأريخه على نسخه الأول، وعلى أن التراضي بالأول مقصور على مدة، لم يتراض بعدها إلا على ضده، وأن الأول، لو كان مقبولا، لما أجمع على نقضه بعهد ردفه. والدفع بالناسخ أعمل منه بالمنسوخ. ويجب أيضًا أن ينظر، فعسى أن يجد في لفظ العهد وعبارة الصك لفظا متشابها يحتمل غير المعنى المدعي، فيكون التأويل يصرفه عن الجهة التي يخشى أن ينص عليها الحاكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت