فهرس الكتاب

الصفحة 721 من 781

وأما التصديقات التي ليست عن صناعة - وأكثر نفعها في المشاجرات - فهي تنحصر في أقسام خمسة: السنن، والشهود، والعقد، والعذاب، والأيمان. فأما السنن المكتوبة فربما افتقر الخطيب إلى مناقضة موجبها، فيجد إلى إيهان مقتضى بعضها سبيلا بإظهار إعراض مثلها للنسخ والتبديل، وأن غير المكتوبة مأمون التغير، ولأن أهل المروءة لا يناقشون بمر السنة المكتوبة، بل ينحرفون إلى مقتضلا السنة المشتركة، وذلك بحسب ما يقول: لأن المكتوبة إنما احتيج إليها لعجز الجمهور عن تقدير الغير المكتوبة وتفصيلها. فإذا كان بالعاقل من المنة أن يفصل المشتركة، كان له بعقله كفاية، وكان له أن يخصص المكتوبة بحكم العقل. ثم يقول: والحاكم الفاضل هو بمنزلة النار المخلصة بعض الجواهر عن بعض، فيلزمه أن يتهدى لهذا التخليص، وينظر في واجب الأمر، ولا يخلد إلى مر القضاء، فإن ذلك من عمل الحشوية الغتم الذين لا يفطنون للصالح، ولا يتصرفون في رأي واجتهاد. وأما القاضي البصير فربما رأى أن يرجح حجة العقل، وربما رأى أن يرجح مر الحكم. وإذا أشكل عليه المصلحة، اعتصم بالتوقف، ولم يستعجل في فصل القضية. فربما أعقبته العجلة ندامة. وإذا وقف الأمر، كان له أن يستظهر بمعاودة النظر، فيلوح له الصواب من إيثار الواجب من المكتوبة أو النافع من المشتركة. فهذا وأمثاله مما يقوله الخطيب، حين تكون السنة المشتركة أشهد للخطيب.

فإن لم توافق المشتركة، وكان المكتوبة أوفق له، قال غير ذلك، فقال: إن الأمور التي فيها أحكام السنة المشتركة أمور مختلفة ومتبدلة لا استقرار لها، ولا صدق للحكم الكلي فيها، فلا بد من سنة مكتوبة مخصصة تحدد وتقدر، ولا يحل للحاكم أن يحدث نفسه بعدول منها فإن كان الحاكم قد جهل المكتوبة، فما أخلق به أن لا ينفذ حكمه، بل يتوقف ريث الاستبانة. فإن الحكم الذي عنده بحسب السنة المشتركة هو مصلحة أو خير مطلق. وليس قضاؤه، عندما يترافع إليه المتشاجران، قضاء في أمر كلي، حتى يكون في خير مطلق، بل في خير ما. فعليه أن يتأنى ريث ما يستعلم مقتضى السنة المكتوبة المقدرة. فإنه إن جاز أن لا يستعمل السنة المكتوبة، فقد جاز أن لا يسن، وفي ذلك إبطال السنن ورفع الحاجة إلى الشريعة. وكما أن الانتفاع بالطبيب مما يفقد عند مواربته ومناكرته والعدول عن إشارته، كذلك الانتفاع بالشارع مما يبطل أصلا إن جازت مخالفته. بل هذا أعظم. ولو جاز أن لا يلتفت إلى السنن المكتوبة، لم تقع الحاجة إلى استقصاء الفقية الماهر المستبصر في أحكام السنة المكتوبة. فإن السنن المشتركة لا يذهب عنها أولو الألباب، وإن لم يكونوا فقهاء. فهذا ما قيل في سبيل السنة.

وأما الشهادات، فمنها شهادات قدماء عدول على أمور قديمة، يلتفت إلى شهادتهم بوجود الأمر وغير وجوده، وإلى شهادتهم بكونه على صفة من صواب أو خطأ أو ظلم أو جور وغير ذلك. وربما كانت شهادتهم كهانات وإنذارات بأمور مسقبلة بحسب زمانهم. ومنها شهادات شهود حدث، وهم المشاركون في الزمان، وهم الذين يحتاج إلى تعديلهم والتفتيش عنهم والرجوع في ذلك الى جيرانهم الخبراء بأمورهم. ويفارقون الأولين أيضًا من جهة أنهم قد يتهمون بمشاركتهم المشهود له في فائدة الشهادة من جذب خير أو دفع شر، ومن جهة أنهم لا مرجع إليهم إلا في إثبات وجود الأمر وعدمه. وأما حكمها بعد ذلك فيكون إلى الحكام. ومن الشهود ما ليس من جملة الناس، وهي الدلائل والأمارات التي تجر اجتهاد الحاكم إلى أحد جنبتي الشكاية والاعتذار بحسب المشاكلات وكيف لا يستنام إلى هذه الأمارات عند عدم الشهود. وربما أحتيج إليها عند وجود الشهود في قبول الشهادة أو تزييفها. وكل شهادة، إما على الخصم بأنه ظالم كاذب فيما يقوله، وإما على الأمر بأنه كان أو لم يكن، وهو الأصل الذي لا محيص عنه. فأما الشهادة على النحو والكيفية: بأن يشهد مثلا الشهود له بأنه حسن السيرة حليم محصل، ولخصمه بأنه داه محتال خب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت