فهرس الكتاب

الصفحة 588 من 781

وقد يمكن أن تجعل هذه المواضع أعم من حال الإيثار، وتؤخذ بحيث تشتمل على الأزيد من كل تفاوت؛ فيقال مثلا: إن ما كان بالطبع بحال ما، فهو أزيد فيها من الذي ليس بالطبع. فغن الأزيد في الحال أعم من الآثر. أو تقول: إن الذي يفيض منه أمر ما فهو أولى بأن ينسب إليه من الذي لا يفيض عنه، أو الذي يفيض منه أكثر فهو أفعل لذلك الآثر، فهو أولى به. والذي هو أكثر بحال ما قبولا وتصرفا فيه، فهو أولى به. كذلك ما إذا زيد على شيء جعل الجملة أكثر بحال ما في زيادة شيء، أو كانت زيادته على ما هو أقل مخالطة للضد، كالبياض الذي هو أقل سوادية الجسم، فهو بالحال أولى، وفيها أكثر.

والمواضع الكلية - كما علمت - تنفع في الجزئيات، وإن كان للمواضع الجزئية خصوصية بحث. والمواضع الكلية، هي مثل المشتركة المذكورة في باب الإثبات والإبطال المطلقين، مثل مواضع المتقابلات والنظائر والتصاريف، فإنها أعرفها كلها، وأقربها من الشهرة.

وكذلك تلك المواضع نافعة في أن تستعمل في المطالب الجزئية؛ فإنه كما أن قولنا: إن كان كل لذة خيرا، فكل أذى شر، فهو مشهور، فكذلك سيكون مشهورا قولنا: إن كانت لذة ما خيرا، فأذى ما شر. وكذلك في سائر الأمثلة مما يجب أن تعرفه بنفسك. وكذلك مواضع الأولى والأحرى.

لكن إنما ينتفع بأخذ مقدم جزئي في الإثبات؛ فأما في الإبطال فلا ينتفع به. مثاله من باب الأولى: أنه إذا كان كل علم أولى بأن يكون خيرا من اللذة، ولذة ما خير، فعلم ما خير؛ فإن قلنا: ولا لذة بخير، لم يلزم أن يكون ولا علم بخير. وأما إن قلنا: لكن ليس علم خيرا، أنتجت: فليس لذة خيرا. وأما إذا كان الأمر من باب التساوي فيصلح للإثبات والإبطال الجزئي.

وحكم الموضع الجاهل الكلى على مثال الجزئي هو من باب الأولى والأحرى. وما بعد هذه فمكررات بعضها مما يعلم في علم القياس، وبعضها مما يعلم في المواضع المذورة.

تمت المقالة الثانية

وهي أربعة فصول

فصل (أ)

ولأن النظر في الجنس قبل النظر في الحد، إذ الحد إنما يتم حدا بعد أن يصبح وجود ما فرض فيه جنسا؛ على أن الجدليين أكثر عنايتهم بالإثبات والإبطال المطلق، ثم إذا نظروا في الحدود كفاهم التمييز والمساواة، فلذلك تقل فطنتهم لأمر الجنس. وذلك لأن قانونهم الإثبات والإبطال؛ ويحوجون إلى التحديد لتفهيم الاسم ولا يتعدون في أكثر الأمر إلى ذلك إلى أن يعرفوا ما هو حد حقيقي، وما هو غير حقيقي، فيقصرون على ما هو تفهيم الاسم. وينعكس بالتساوي. لكنه لا يبعد أن يكون من ضبط منهم مشهورات الصنائع العلمية أن يكون قد أحس بما هو المشهور عند المنطقيين: من أن الحد مؤلف من جنس وفصل، فيكون له أن يتكل في باب الجنس والفصل.

واعلم أن أكثر المواضع المذكورة في باب الجنس علمية، فإن جرى فيها مشهور صرف، خصصناه بالتعريف.

فمن المواضع أن ينظر في الأمور المجانسية للموصوف، أي الأمور المشاركة للموضوع في طبيعته - والمتسلم أن جنسها واحد - هل شيء منها لا يحمل عليه المحمول المفروض أنه جنس. فغن وجد ما ليس يحمل عليه المفروض جنسا ما وضع جنسا بجنس، وإن لم يوجد، لم يلزمه منه شيء. وهذا الموضع للإبطال فقط، ومثاله: إن قيل إن الخير جنس اللذة، فوجدنا لذة ليست بخير، قلنا: إن الخير ليس جنسا للذة، فإن وجدنا كل لذة خيرا، لم نعلم أنه جني أو ليس، فإن كل جنس عام، لكن ليس كل عام جنسا. وأن ننظر: هل هو محمول من طريق ما هو، فإن لم يكن فليس بجنس. وأما إن كان، فكان حملا هو من طريق ما هو لا في جواب ما هو لم يجب أن يكون جنسا؛ على ما قد علمت. لكنه لا يبعد أن يوجد في المشهور جنس - وإن في جواب ما هو، ولكن لا من جهة الشركة فقط - لم يكن جنسا.

وأيضا هل يطابقه تحديد العرض، فغن طابقه فليس بجنس. ويخالف الموضع الأول في أنه ليس كل مقولا في طريق ما هو، فهو يطابقه حد العرض، بل ربما طابقه حد الخاصة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت