وأيضا إن اختلفت المقولة للجنس والنوع، فكان النوع من الكيف بالذات مثلا، والجنس من الجوهر، أو بعكس ذلك، فليس ما فرضنا جنسا. وهذا يصلح للإبطال فقط. ومثال هذا البياض والثلج، فإن البياض كيفية. والثلج جوهر. وأيضًا العلم والجميل، فغن العلم مضاف، والجميل غير مضاف. وإنما جعل العلم في هذا الموضع مضافا أي داخلا في مقولة المضاف بالذات، هو على جهة المشهور. وقد علمت أن دخوله في مقولة المضاف عند التحقيق هو على طريق آخر ومع ذلك، فإن الشيء الذي يلزم جنسه الإضافة، يلزم نوعه الإضافة، ولا يختلفان فيه. وهذا حق.
وأيضا إن حُمل على ما وضع جنسا حد ما وضع نوعا، فليس ما وضع جنسا بجنس. وهذا أيضًا للإبطال فقط. ومثاله: لو أن إنسانا جعل للموجود وللواحد جنسا، كان ذلك الجنس موجودا أو واحد في نفسه لا محالة، فكانت حقيقة النوع تقال على حقيقة الجنس، وهذا محال.
وأيضًا فإن النوع إذا كان يصدق على ما ليس يصدق عليه الموضوع جنسا، فليس الموضوع جنسا بجنس؛ مثل المظنون، فإنه يصدق على المعدوم، والموجود لا يصدق عليه. وهذا كالمكرر.
وأيضًا، فإن كان الموضوع جنسا لا يشارك شيئا من أنواع الجنس، فليس المفروض جنسا بجنس. كمن يجعل الحركة جنسا للذة، ثم لا توجد اللذة نُقلة، ولا استحالة، ولا نموا، ولا غير ذلك. وهذا إنما يكون إذا كانت الأنواع محصورة، ثم لم يكن النوع المدعى دخوله تحت الجنس لأحدهما، ولا داخلا في أحدهما.
وموضع آخر، هو مكرر بالقوة وإن لم يكن بالفعل، وهو أن يكون الموضوع نوعا يقال على أكثر مما يقال عليه الموضوع جنسا؛ كالمظنون، فإنه يقال على أكثر مما يقال عليه المعلوم. وهذا الموضع في الظاهر كأنه في القوة ما قيل قبل من أنه إن كان النوع يحمل على ما لا يحمل عليه الجنس، فليس المفروض جنسا بجنس.
لكن قولنا: إن كان حمله على أكثر مما يحمل عليه، قد يقتضي اعتبارا آخر، وهو ألا يلتفت إلى المشاركة البتة، بل يجمع لكل واحد منها موضوعاته، فتوضع الموضوعات القريبة لهذه أكثر عددا من موضوعات تلك. فلأنها أكثر عددا من جهة أن ذلك يشارك البتة أو لا يشارك البتة هذا في موضوعاته، فيكون ما وضع جنسا غير جنس.
وأيضا، إن كان المفروض نوعا مساويا في العموم للجنس، فليس ما فرض جنسا. بجنس؛ كمن يجعل الموجود جنسا للواحد، أو بالعكس؛ ثم يوجد كل ما يقال له موجود يقال واحد، وبالعكس، فلا يكون أحدهما جنسا والآخر نوعا. وأما كيفية هذا التساوي في الواحد والموجود، فلا يجب أن نشتغل به الآن، بل يؤخذ أخذا، ونقتصر على وجه كونه مثالا. وأما بيان الحقيقة، ففي العلوم العالية.
وكذلك إن جعل العلة والأول أحدهما جنسا للآخر، فإنهما متلازمان أو مترادفان. وإنما يكونان متلازمين، إذا فُهم من العلة موجود عنه وجود الثاني، من غير عكس، وفهم من الأول أنه موجود ليس عن وجود الثاني، من غير عكس. والأمران وإن كانا متلازمين، فإن بين الاعتبارين فرق ما بين اعتبار الصاعد والنازل.
وأيضًا، ننظر في الأمور التي لا تختلف في النوع، بل تختلف في الأعراض، وإن كان جنسا ليس جنسا لجميعها، فليس هو بجنس؛ مثاله من جعل غير المنقسم جنسا لخطوط مستقيمة غير منقسمة؛ فإن الخطوط الغير المنقسمة إن كانت موجودة، فلا تختلف هي والمنقسمة - كما علمت - بالنوع والماهية، بل بالأعراض. وإذ ليس ما لا ينقسم جنسا للخطوط المستقيمة المنقسمة، فليس جنسا لغير المنقسمة أيضًا.
وأيضًا إن كان للنوع جنس آخر ليس أحدهما تحت الآخر، فليس الجنس جنسا. لكنه ربما جوز ذلك في المشهور، لأن نوعا واحدا قد يقع في جنسين ليس أحدهما تحت الآخر؛ مثل أن الفهم علم وفضيلة؛ أو لا يكون هذا المثال مشهورا جدا. فعسى أن يكون كثير من الناس لا يقبلون أن الفهم علم، بل عسى أن يكون المظنون ما ذكرنا في الفن الثاني من حال الأجناس المتداخلة. لكنه إن زيد فقيل: جنس ليس أحدهما تحت الآخر، فيجب أن يتعدى الموضوع أنه جنس إلى جنسه القريب أو العالي؛ فإن لم يكن محمولا على جميع النوع أو لم يكن من طريق ما هو، فليس الموضوع جنسا بجنس.