فهرس الكتاب

الصفحة 549 من 781

وليس الأمر على ما قالوا: من أنه لا قياس صادق عليه أصلا، فيحتاج إلى المشهور وإن كان مما ليس يستبين أصلا استبانة توقع الثقة به، والاعتقاد له؛ فما يدرينا أنه صادق؟ وكيف تكون لنا ثقة بما يبنى عليه؟ أما معونة الجدلي، فأن يبلغ إفادة فيه، فإن كان لا سبيل إلى معونته، فيكون قصارى علمنا بمبادئ العلوم قناعة، كأنا لا نجد سبيلا إلى تصديقها. وبالحقيقة ليس من هذا يبنى؛ بل هذه المبادئ هي المبادئ التي ليست بينة بأنفسها، ولها بيان، وعليها برهان؛ لكن ذلك في علم آخر. فأما في العلم الذي هي مبادئ له، فكما منها هو مبدأ أول له؛ فكيف يكون له فيه برهان؟ وإلا لكان له مبدأ آخر في ذلك العلم، فكان هو في ذلك العلم مطلوبا لا مبدأ؛ فيكون مع الجدل ينفع من هذه الجهة من حيث يقنع المتعلم من المشهورات الذائعة المشتركة، لتكون نفسه غير مشمئزة عن البناء عليه.

وقد جرت العادة في الأمثلة الموردة لهذا الموضع أن تورد قياسات عملت لإثبات مبادئ العلوم، ولتكن مبادئ للهندسة مثلا. فإذ أنها، وهي القياسات الحقيقية، الإنتاج لها، التي هي من صناعة الفلسفة الأولى - ولا تجد واحدة منها من مقدمة مشهورة غير صادقة، أو أكثرية كما يقولونه غير كلية - فإنك تجد اعتمادها على الصوادق. فهؤلاء قد وجدوا قياسات على المبادئ من مقدمات صادقة من الأوائل الأولى، ومع ذلك يقولون: لا نجد ذلك. ومع ذلك فما استعملوا فيها المشهورات من حيث هي مشهورة مشتركة، بل من حيث هي خاصة، وقالوا: إنا استعملناه من حيث هي مشتركة. فمن أحب أن يعلم ذلك تأمل شروحهم.

ثم صناعة الجدل ليست تحصل صناعة جدل - كما علمت - بأن يكون الجدل قادرا على إقناع كل مخاطب، بل بأن يفيد صاحبها قدرة على الإتيان بما يمكن في إثبات ما يحاول إثباته، أو إبطال ما يحاول إبطاله، حتى لا يكون التقصير وقع من جهته، حتى لا يقال: إنه لو قال كذا لكان الإقناع يحصل، وإذا قال كذا قصر عن الإقناع.

وليس ذلك أيضًا في كل شيء، بل في أكثر الأشياء؛ كالطبيب، فإن كونه طبيبا هو أن تكون عنده ملكة بفعل ما ينبغي أن يفعله في حفظ الصحة، ودفع المرض، حتى لا يقال: إنه كان ينبغي أن يفعل كذا، أولا ينبغي أن يفعل كذا؛ ثم إن لم ينجع علاجه فما عليه. وكذلك الخطيب.

فصل (و)

فيجب أن ننظر أن هذه الصناعة من أي الأجزاء تتقوم. وأول ما يجب أن ننظر فيه هو أبسط أجزائها؛ ثم نتدرج فننظر في التركيب الذي يليه؛ ثم ننظر في التركيب الثالث الذي يليه. وجميع ذلك لا من جهة الصورة، بل من جهة المادة. وأبسط أجزائها الأمور المفردة التي تؤلف منها المقدمات التي منها تؤلف قياساتها. وهذه تكون حدود المقدمات لا محالة؛ وذلك لأن القياسات الجدلية كسائر القياسات إنما تتم من مسائل عن مقدمات منها القياس، وتتوجه نحو نتيجة عليها القياس. لكنها تفارق التعليمات بأنها مبنية على المسائل، وتلك ليست مبنية على المسائل، بل على ما يتعين من طرفي النقيض بتعيين الحق.

وليست المسائل بالموضوع، إلا المقدمات؛ فإن المقدمات في القياس الجدلي السائلي تؤخذ بالطلب من المجيب، فتكون أولا مسائل؛ على ما علمت. ثم إذا تسلمت صارت مقدمات، فيكون القياس مبنيا على المسائل، ومؤلفا من المقدمات. أما مبنيا على المسائل، فلأن المسألة من حيث هي مسألة لا تكون جزء قياس، ولكن تكون أصلا يبنى عليه القياس. وإذا صارت مقدمة، كان منها القياس، لأنهل جزء قياس. فالمقدمة قضية، كما أن النتيجة قضية، وكما أن المسألة قضية. إلا أن القضية إذا كانت مقصودة بالقياس العلمي سميت مطلوبا؛ وإن كانت مقصودة بالقياس الجدلي سميت وضعا. وذلك لأن المطلوب هو ما يطلب ليظفر به، فتحصل منه نفسه فائدة؛ وإنما تحصل منه الفائدة من حيث هو حق. وأما إذا طلب بالإثبات أو الإبطال لا من حيث الحق، فهي وضع ما، ودعوى يراد إثباته. فافهم من الوضع ما يشبه المفهوم من الدعوى.

وإذا كانت القضية مقرونة بمقابلها، مقرونا بهما حرف الاستفهام، أو مأخوذة وحدها، مقرونا بها حرف الاستفهام، سميت مسألة. فهذه الثلاثة موضوعها واحد، وما يتقوم موضوعها واحد، ويختلف الاعتبار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت