ولا يجب أن يظن أن هذا القياس يخالف الجدلي والمشاغبي بأن الجدلي لا يكون إلا من المشتركات دون المبادئ الخاصية؛ وإن المشاغبي يتشبه بالمشتركات، وهذا يتشبه بالمبادئ الخاصية لجنس من العلوم؛ فإنا أومأنا قبل إلى أن هذا هذر.
ولا تُصغ إلى من يقول: إن نسبة القياس الامتحاني إلى البرهاني، كالمشاغبي إلى الجدلي؛ فإن ذلك لهذا القياس ليس من حيث هو امتحاني، بل من حيث هو سوفسطائي.
فأصناف القياسات التي نحو الأمور الكلية هي هذه المذكورة على طريق التمثيل والتعريف للأمر الكلى فيها. وأما التفصيل فقد عرفت تفصيل البرهانيات وستعرف الأقسام الأخر في مواضع أخر. وإنما علينا أن نحاول في مأخذنا هذا تفصيل الجدلي.
وإذ أوضحنا الحال في القياس الجدلي أنه ما هو، وبماذا يخالف به غيره، فيجب علينا أن نجمع جوامع ما أشرنا إليه من منافع تعليم صناعة الجدل، فنقول: أول ذلك أنا إذا حصلنا المواضع التي منها تستنبط الحجج على كل مطلوب، والآلات التي بها يتوصل إلى استنباطها، وعرفنا كيفية استعمالها، كنا مرتاضين متخرجين.
ومعنى الارتياض التمكن من تكثير أفعال جنس واحد وتحسينه. فأما التكثير، فبأن تكون مواضع استنباط الحجة لنا معلومة معدة، فلا يكون حالنا كحال من يحتاج أن يتوكل على الخاطر والحس. وأما التحسين فيما يتعلمه من القوانين في جودة استعمال تلك الأفعال فيكون هذا لنا إما رياضة، إن كان هذا القدر رياضة؛ وإما شيئا ممكنا من الرياضة، إن كانت الرياضة تتم بملكة تحصل من التصرف في الموجود لنا من ذلك. فإنه ليس المرتاض بالرمي من يحصل عنده ما يجب أن يستعمله في الرمي، وأن يعلم وجه التحسين في ذلك علما فقط،لكنه لم يتمرن به عملا. فهذه منفعة.
وأما منفعته في المناظرة - فقد عرفت من قبل ما المناظرة، وبماذا تخالف المجادلة - فلأنه إذا كانت لنا قدرة على إيجاد القياس على كل مطلوب، كانت لنا قدرة على إيجاد القياس على الشيء وعلى مقابله. وإذا تفاوض اثنان على سبيل التنازع والتشارك معا - أما التنازع ففي العمل، وأما التشارك ففي الغاية 0 فكان كل يتطلب على قياس الآخر موضع الآخر، لم يلبث أن يستبين الحق لهما فيما بينهما.
وكما أن الإنسان يكون معلما ومتعلما من وجهين، فيجوز أن يكون مناظرا ومناظرا فغن منفعة المناظرة قد تحصل للواحد مع نفسه، ومنفعة الإلزام والغلبة لا تحصل له مع نفسه. فلهذا لا يجوز أن يكون الإنسان الواحد مجادلا ومجادلا، ويجوز أن يكون مناظرا ومناظرا. فلهذا ليست المجادلة مناظرة. ومن البيّن أنا إذا قلنا: إن صناعة الجدل تنفع في المناظرة، لم يكن كأنا قلنا: إنها تنفع في المجادلة؛ فلا يكون التشنيع الذي يحاوله بعض الخارجين بشيء؛ فيكون هذات قسما مفردا من منافعه.
والمنفعة الثالثة هي نفس المنفعة المقصودة في الجدل في أنه جدل نافع،وذلك في إشعار الجمهور العاجزين عن الإصغاء إلى البرهان آراء موافقة لهم، على ما بيناه من قبل.
والمنفعة الرابعة كالجزئي لهذه المنفعة، أو كالمناسب له، وهو منفعته في إقناع المتعلم ليعتقد مبادئ علمه.
ولا تلتفت إلى ما يقال: إنه لما كانت المبادئ للعلوم لا مبادئ لها، فلا قياسات من مقدمات حقيقية صادقة برهانية عليها، فلابد من أن نقيس عليها من مقدمات مشهورة. فإنه ليس تقع الصناعة الجدلية في ذلك من هذه الجهة. فإن المبادئ التي للعلوم إن كانت بيّنة بأنفسها، لم تضطر المتعلم إلى قياسات جدلية تبينها؛ فإن البينات بأنفسها أوضح من الجدليات، وإن كانت إنما تبين بالحس والتجربة، فلا يضطر المعلم أيضًا إلى تكلف قياس جدلي، بل يفزع فيه إلى الحس، والتجربة وشهادة الثبات. وإن كان ليس بينا، لكنه مع ذلك قريب من البين، فإما أن يكون قربه من البين بأن التنبيه اليسير يوقف عليه، فيجب أن ننبه عليه من غير قياس - وقد علمت الفرق بين التنبيه وبين القياس. وإن كان قربه من البين على سبيل أن مقدمات قريبة من الأوائل تنتجه، فله إذن مباد لا محالة، وعليه قياس صادق، إما في ذلك العلم، وإما في علم آخر.