فهرس الكتاب

الصفحة 630 من 781

وموضع آخر، وهو أن يكون إنما يورد حد شيء بسيط، فإذن هو قد حد الشيء مركبا مع شيء. وأكثر ما يقع هذا إذا كان التركيب من جنس الكمال، كمن يحد الخطيب: بأنه الذي له ملكة إقناع في كل واحد من الأمور بالسوية، لا نقص له في شيء منها. أو يحد الطبيب: بأنه الذي له ملكة إزالة الأمراض كلها، فلا يعجز شيء منها. والسارق: بأنه الذي يأخذ كل شيء سرا؛ فإنه يكون إما حادا مخطئا، وإما حادا للخطيب الحاذق، والطبيب الماهر، والسارق الملط. وأما الخطيب بما هو خطيب، فليس هو خطيبا بشرط أن يقنع. كلا ولا الطبيب بشرط أن يشفى. كلا، ولا السارق سارق بشرط أن يقدر على أخذ كل شيء سرا. بل الخطيب هو الذي يبلغ في أكثر الأمور ما يمكن أن يقال فيه طلبا للإقناع، فربما لم يبلغ الغاية، فيكون خطيبا لأنه أتى بما يمكن؛ وكذلك حال الطبيب، وكذلك حال السارق. فإذا السارق؛ وإن كان يؤثر أن يأخذ كل شيء سرا، أو يأخذ كل ما يأخذه سرا، ولكنه ليس يجب أن يمكنه ذلك في كل شيء.

وموضع آخر، وهو أن يزيد في حد شيء من المؤثر لنفسه زيادة تجعله مؤثرا لغيره، وبالعكس. مثال ذلك من حد العدالة أنها حافظة السنن، وليست العدالة للسنن، بل السنن للعدالة.

وربما اتفق في شيء أن كان مؤثرا لنفسه ومؤثرا لغيره؛ مثل الصحة، فإنها مؤثرة لنفسها، وقد تؤثر لأمور يتوصل إليها بالصحة. فينبغي إذا حد كل جهة من الجهتين، واعتبار من الاعتبارين ألا يدخل فيها الآخر، أو أراد أن يحد الصحة حدا كاملا أورد الجهتين.

الفصل الخامس فصل (ه) في مثل ذلك

وهاهنا مواضع تختص بحدود أشياء مما لها نسبة كالكل والجزء؛ فمن الخطأ في ذلك ان يذكر الأجزاء على سبيل توالي النسق بالواو، ويجعل ذلك حدا للكل. مثل أن يقول قائل: عن العدالة هي عفة وشجاعة؛ فغن هذا يجل العفة محمولة على العدالة، والشجاعة محمولا آخر عليه، فيكون كل واحد منهما محمولا وحده، ليس أحدهما مقيدا بالآخر، فلا يكون كأنه قال: عفة التي هي شجاعة، كما يقال: حيوان ناطق، أي حيوان الذي هو ناطق. ولو انه أريد بذلك هذا، وإن كان غير صحيح في مجرى العبارات كلها، كان أيضًا فاسدا.

وأما بيان فساد الاعتبار الأول، فهو أن العفة إذا كانت محمولة على العدالة، حيث يراد التحديد، كان كأنه يقول. إن العدالة هي العفة والشجاعة، بالألف واللام؛ فإن حمل الحد والخاصة والاسم المرادف إنما يصلح أن يخصص بالألف واللام في لغة العرب. فغن حملت لا كذلك، لم يكن هناك تخصيص البتة، بل كان يجوز أن نفهم أن العدالة عفة ما وشجاعة ما. وإذا حمل على الشيء عامان، كل واحد منهما أعم منه، ولم يقيد أحدهما بالآخر، لم يجتمع منهما دلالة على معنى مساو، بل يجب أن يخصص، فيكون وجه القول حينئذ: إن العدالة هي العفة والشجاعة، ولا يجوز أن يصدق أن العدالة هي العفة والشجاعة، إلا وصدق أنها العفة؛ كما لا يمكن أن يصدق أن الإنسان هو الناطق والضحاك، إلا وصدق أنه الناطق. فتكون حينئذ العدالة منعكسة على العفة والشجاعة؛ فإن كانت عفة ولا شجاعة، كانت أيضًا عدالة. فحينئذ لا يكون من شرط العدالة أن تكون عفة وشجاعة مجتمعتين؛ ويلزم مثل ذلك في جانب الشجاعة. ويلزم أيضًا أن يكون الجور فجورا وجبنا، والفجور جورا والجبن، فتكون العدالة التي هي العفة - حيث لا شجاعة - جورا.

وأما بيان فساد الاعتبار الثاني، فإنه ليس شيء مما هو عفة شجاعة، حتى تكون العدالة عفة هي الشجاعة. فإن بدلوا لفظة"الواو"بلفظة"مع"، حتى يكونوا كأنهم عفة مع شجاعة، أو أرادوا بالواو معا، فيكون حينئذ الموصوف بأنه عدالة هي نفس العفة ولكن في حال ما تقترن إليها الشجاعة؛ فتكون إذا قارنت العفة جعلت العفة نفسها حينئذ عدالة. مثل ان الشيء إذا اقترن بشيء جعله يمينا، وجعله مضروبا، وجعله غنيا؛ ليس على ان اليمين مجموعهما، بل أحدهما نفسه ولكن إذا كان مع الآخر. وكذلك المضروب. وكذلك الفتى عند وجود المال فيكون له. إذن بعض ما هو عفة هو عدالة، وهو العفة التي اقترن إليها الشجاعة.

وبالجملة، فغن تعديد الأجزاء وتحصيلها ليس الكل، ولا نفس الكل. فإنه يكون الخشب واللبن وغير ذلك موجودا، ولا يكون موجودا. فليست الدلالة على وجود الجزاء دلالة على طبيعة الكل؛ فلا أقل من أن يقال: إن كذا مجموع كذا وكذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت