على ان الكل يحدث من الأجزاء على ثلاثة وجوه: أحدهما أن يكون تجمع فقط، كيف اتفق، مثل الأربعة من أجزائها. والثاني أن لا يكون تجمع فقط، بل تكون هناك زيادة على نفس الجمع داخلة في كيفية الجمع، مثل البيت، فإنه ليس الجملة مجموع لبن وخشب كيف كان، بل أن يكون مجموعا جمعا على نحو؛ ولا الثوب ثوبا لاجتماع الغزل، كيف كان، بل لاجتماعه على هيئة وأسداء وألحام. والثالث بسبب زيادة على نفس الجمع وهيئة الجمع، وذلك أن يكون للجزاء المجتمعة حال وحكم بعد الجمع غير الجمع، وغير هيئته من حيث هو تركيب وجمع؛ كالممتزج، فغن له بعد الجمع وهيتئه زيادة كيفية تحدث. فما كان من الكُلات وجوده بالجمع فقط، أمكن أن يقال: لعله يكفي في حده أن يقال إنه مجموع كذا وكذا. وأما ما احتيج فيه إلى زيادة على ذلك، وخصوصا زيادة خارجة عن كيفية الجمع، فلا يكون المركب قد وفى حده ما لم يدل على هيئة ذلك الجمع، وعلى حال كيفية أخرى وحكم آخر، إن تتبعه.
وموضع آخر يليق بهذه المواضع أن ننظر: هل من شأن الأجزاء الموردة للكل أن تجتمع، فربما لم يكن من شأنها أن تجتمع البتة، فلا يكون منها كل، كمن يقول مثلا: إن السطح خط وعدد؛ والخط والعدد لا يتألف منهما شيء. أو قول من يقول: إن الجسم هو المؤلف من أجزاء غير متجزئة، والجسم ليس من شأنه أن تتألف من أجزاء غير متجزئة، ولا للأجزاء التي لا تتجزأ أن تتألف تألفا يؤدي إلى متصل.
وموضوع آخر، أن يكون للمحدود الذي هو الكل محل أو مكان واحد، وتكون الأجزاء يستند كل منها بمحل أو مكان مفرد غير مكانه، ومباين له، فيعلم أن النسبة إلى تلك الأجزاء إلى المفروض كُلا نسبة ردية؛ وهذا صالح للإبطال دون الإثبات. وأكثر هذه المواضع ذلك شأنها. ومثال ذلك أن يقال: إن الإبصار مجموع لون وإدراك، واللون في غير الشيء الذي فيه الإدراك والإبصار في شيء واحد.
وموضع آخر أن يكون الكل إذا رفع ارتفعت الجزاء؛ والأجزاء ترتفع ويبقى الكل. فإن الأمر يجب - إن كان - لابد أن يكون بالعكس.
وموضع آخر فيما يركب من متقابلين كشيء هو خير وشر، فغن ذلك يجب أن يكون دون الخير في الخيرية، دون الشر في الشرية.
وموضع قبله، وهو إن كان الخير في انه خير مثلا أشد في انه خير، من الشر في أنه شر، والمركب منهما قد يروج على انه أزيد من الناقص في الطرف الثاني، فيكون أشد خيرية منه شرية؛ اللهم إلا أن يكون الامتزاج أحدث أمرا زائدا على مقتضى البسيطين، كما أن المزاج يجعل غير الخيرين خيرا، وغير الشرين شرا، فيكون هذا أيضًا مما يقدح في الموضع المذكور، فإنه ربما اجتمع خير وشر فصار الكل خيرا أو شرا، لكنه يجب أن يكون اعتبار هذين الموضوعين، حيث يكون التركيب لا يعمل غير الجمع، وما يتبع الجمع؛ إلا فيما تقتضيه الاستحالة.
وموضع آخر ننظر كي لا يكون حد الكل مقولا على أحد الجزأين فيكون هو هو بعينه، لا المجموع منه ومن غيره. ولكن الجزء غير الكل. وقد ذكر هاهنا موضع ضمناه فينا سلف وهو أن لا يكون ذكر التركيب. وذكر أيضًا موضع هذا مع هذا، وموضع أن هذا هو هذا وهذا، وموضع أن هذا هو من هذا ومن هذا. وهذا قريب مما سلف، فإنه حينئذ يكون من هذا ومن هذا، فيكون من كل واحد منهما، ويعرض نظير ما سلف مما ذكرناه، حيث لم يكن"من"، وخصوصا إذا كان حيث يقوم من أمرين ليس يمكن أن يكون ذلك الأمر معا.
وموضع في تفصيل المعية ونسبتها، عل بيّن أن تلك المعية في أي شيء من المحل والزمان، وبالقياس إلى أي شيء، وكيف حال أحد الأمرين من اللذين هما معا من الآخر، كمن يقول إن الشجاعة إقدام مع فكر صحيح، ولم يقل إنهما بالقياس إلى أي شيء. فربما كان ذلك بالقياس إلى استعمال المصححات، وكان صاحبهما طبيبا لا شجاعا، بل يجب أن ينسب ذلك إلى الجهاد.
وربما كان أحد الأمرين سببا للآخر، أو غاية، مثل من يقول: إن الغضب غم مع توهم استخفاف؛ فإن توهم الاستخفاف ليس جزءا من الغضب، بل سببا له وللغم. وكذلك من قال: إن الرمي هو إرسال سهم إصابة؛ فإن الإصابة ليست جزءا من الرمي، بل خارجا عنه وغاية.