فهرس الكتاب

الصفحة 690 من 781

وقد يمكن أن ترد جميع هذه الوجوه اللفظية والمعنوية إلى أصل واحد، وهو الجهل بالقياس والتبكيت، فإن حد القياس مقول على التبكيت. وللتبكيت تخصيص أن نتيجته مقابل وضع ما، فإنه لما كان القياس هو الذي يلزم عنه قول آخر بالحقيقة، لا الذي يظن أنه يلزم عنه قول آخر، وكان التبكيت قياسا، لم يكن شيء مما وقع فيه شيء من التضليلات قياسا. وكذلك إذا اعتبرت سائر أجزاء حد القياس، لم تصادف لهذه التضليلات حقيقة.

أما الاسم المشترك فإذا وقع كان المعنى فيه غير وغير، فلم يكن اشتراك بين المقدمات، أو بينها وبين النتيجة. ويدخل في هذا حال الاشتراك في التركيب، والاشتراك في الشكل، وجميع ما يتعلق باللفظ، فإن جميع ذلك يدل على إختلاف في المفهوم لا محالة، وتثنية وتضعيف فيها لا محالة، سواء صدقت التثنية أو كذبت، فإذا اختلف المفهوم في شيء من ذلك لم يكن قياس بحسب تأليف المعنى، بل بحسب تأليف اللفظ. واحد من الأمور المفردة"تفرق بين الريطورية وبين الصنائع المعلمة كالهندسة، وبين الصنائع المقنعة في الجزئيات كالطب. إذ الخطابة لا تنسب إلى جنس معين."

ولكن لقائل أن يقول: هل الطب ملكة على الإقناع الممكن؟ وإن كانت ملكة، فهل هي بذاتها أو بالعرض؟ فإن كان بذاتها، فهل إذا أقنع الطبيب في أمر ما، وأقنع الخطيب في ذلك الأمر بعينه، إذ له أن يقنع في كل أمر، كان إقناع الطبيب من نحو وإقناع الخطيب من نحو آخر؟ وهل الخطيب إذا تكلف ذلك الإقناع بعينه كان قد يتعاطى شيئًا من الطب؟ وبالجملة: هل يحتاج إلى فصل بين الخطيب وبين ما يجري مجرى الطبيب؟ فنقول أولا: إن الطب ليس له ملكة على الإقناع البتة، ولا على التعليم أيضًا، بل ملكة علمية على تدبير الأبدان لتصح. فإن كان الطبيب مقتدرا على هذا التدبير، ولم يكن له بالإقناع بصيرة البتة، وكان عالما بعلمه، ولم يكن له في سبيل التعليم هداية البتة، فهو طبيب وعالم. ثم إن اقتدر على التعليم، فذلك له من حيث هو معلم، ويكون تعليمه ليس إقناعا، لأنه إما أن يعلم أمورا واجبة كقولهم: كل مرض إما سوء مزاج أو فساد تركيب؛ فإن علمها تعليم مثلها، لم يكن مقنعا، بل محققا. وإن أقنع ولم يحقق ولا شارف التحقيق، كان حينئذ مستعملا لفعل الخطابة، لا معلما، وكان من تلك الجهة خطيبا في ذلك الشيء. وإما أن يعلم أمورا ممكنة أكثرية جدا، أو دون ذلك؛ فإن علمها من حيث هي ممكنة بأكثريتها، أو غير ذلك على ما سلف منا شيء من القول فيه في فنون سلفت، لم يخل إما أن يصحح إمكانها وقربها من الكون، فيكون معلما؛ أو يقنع في ذلك من غير إفادة اعتقاد يقين أو مقارب لليقين، كان خطيبا. وإما أن يصحح وجودها وأنها توجد لا محالة. فإن حاول الإقناع في الوجود، كان مستعملا فعل خطيب. وإن حاول إيقاع التصديق الجزم المقارب لليقين فيه، كان مغالطيا. فإذا الإقناع للطبيب بالعرض، ومن حيث هو فاعل فعل الخطيب، إلا أنه ليس بذلك خطيبا، لأنه ليس له ملكة على أن يقنع في كل شيء.

وإنما يصير الخطيب خطيبا بهذه الملكة، لا بأفعالها التي تصدر عنها في أشياء معينة. فنحن وإن سلمنا أن الطبيب قد يقنع، فليس يصير بذلك خطيبا ولا يصير مشاركا للخطيب في الصناعة، لأنه ليس الخطيب خطيبا لأجل أفعال تصدر عنه خطابية، بل للملكة صفتها الصفة المذكورة، أعني ملكة على الإقناع في كل شيء. والطب، وإن سامحنا في أمره، ولمنا أنه ملكة مثلا على الإقناع، فليست ملكة على الإقناع في كل شيء. على أن الطب ليس ملكة الإقناع.

ونقول: إنه كما أن الطبيب قد يقتدر على استعمال علاج في حيوان غير الإنسان، كذلك مجرى الموضوع والمحمول، وهذا خلاف ذلك، فإذا كان الحد الأصغر، أو الأوسط، أو الأكبر، ليس واحدًا، لم تكن المقدمة واحدة محصلة فيها محمول واحد على موضوع واحد؛ وإذا لم تكن المقدمة محصلة لم يكن القياس محققا، بل كان القياس ليس على صورته وعلى حده. فبين أن جميع هذه ترتقي إلى مبدأ واحد: وهو أن يكون القياس والتبكيت ليس على حد القياس والتبكيت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت