فهرس الكتاب

الصفحة 512 من 781

وكذلك إن قال قائل إن السحاب قد تطفأ فيه النار، وإذا طفئت فيه النار حدث صوت الرعد، فإنه يمكن أن يستخرج من هذا البرهان حد الرعد.وأما كل شيء لا علة له، فلا برهان عليه ولا حد بالحقيقة له إلا الوجه الذي يجب أن يتأمل ويتذكر من فصل علمناه في أول الكتاب. ثم لا يجب من كلامنا في هذا الفصل أن يظن - كما يظن بعض الناس - أن كل برهان بعلة فإنه يدا على الحد، فإن المعلم الأول لم يضمن هذا، بل ضمن أنه قد يكون من هذا الصنف ما يدل على الحد، لا على أن كله كذلك. ولا لو ضمنه كان حقا: فإنه إذا كان الحد الأوسط نوعا للحد الأكبر كان القياس برهانا ومأخوذا من علة النتيجة وحدها، لا للحد الأكبر مجردا، ومع ذلك لم يستنبط منه حد. وقد فرغنا نحن عن ذلك. فيشبه أن يكون هذا حيث يكون الشيء الذي هو الأوسط علة بذاته للأكبر منعكسة عليه، وعلة للنتيجة معا. وأما الظن المستحكم لقزم أن البراهين إنما هي حدود وسطى هي علل منعكسة على الحدود الكبرى، بل وعلى الصغرى، فأمر باطل. وإنما غرهم قلة العناية والنظر، وفصل من كلام المعلم الأول لم يستقصوه حق الاستقصاء، وسنصير إليه عن قريب، ونبين أن العلل قد تكون أخص من المعلولات في كثير من الأشياء ولا تنعك عليها، إلا أنا نشتغل هاهنا بما هو غرضنا فنقول: إن المعلم الأول دل على ان البراهين ذوات العلل تعطي بوجه ما تنبيها على الحدود، وذلك في الاشياء التي هي عارضة لشيء وفي شيء لعلة من جنس العلل المأخوذة في الحدود.

وأما ما لا علة له في وجود ذاته مطلقا، أو لشيء: لأنه عارض في شيء، أو عارض أول بلا علة - ومن جنسه مبادئ العلوم - فإنه قد يصدق به من غير قياس يعطى هلية البتة. بل هليتها واضحة. ومع ذلك فقد يكتسب لها حد.

وأيضًا كثير من المعاني يوضع في العلوم وضعا، مثل الوحدة في علم العدد، فلا يقاس بالبرهان على وجوه، بل يوضع وضعا، وربما أقنع فيه بكلام جدلي أو استقراء إقناعا غريبا ليس من شرط التعليم، ولكن ذلك لا يتعذر تحديده.

فإذن ليس كل حد إنما يتوقع فيه أن يصار إليه البرهان، بل كثيرا ما يحد الشيء أولا فيقتنص من حده البرهان على عوارضه، وخصوصا من حدود البرهان الذاتية والحدود التي فيها شيء علة وشيء آخر معلول، مثل قولنا إن الرعد صوت يحدث في الغمام لطفوء النار فيه. وطفوء النار علة والصوت معلول، ومجموعهما - لا أحدهما وحده - هو الحد التام: فإنه وإن كان طفوء النار علة فاعلة للصوت، والصوت معلول له، فالصوت علة للرعد علة سبيل العلل الصورية. والحد بجملته علة صورية للمحدود؛ وإن كان بعض جزائه علة لبعض. وإذا كان الحد بالجملة صورية للمحدود فكل جزء منه هو علة لا محالة. وإنما يكون البرهان مفيدا للحد إذا كان فيه جزء هو علة وجزء هو معلول على نحو ما قلنا.

ومما ينفعنا في المقاصد التي إياها نعزو، أن نعرّف ما الحد التام وما الحد الناقص وما الحد الناقص الذي هو مبدأ برهان، وما الحد الناقص الذي هو نتيجة برهان، ومن جميع ذلك ما الذي هو حد حقيقي بحسب الذات، وما الذي هو حد مجازي بحسب الاسم. وجميع هذه ينحصر في أربعة أقسام.

فيقال"حد"بوجه ما لما هو قول يشرح الاسم ويفهّم المعنى الذي هو مقود بالذات في ذلك الاسم، لا بالعرض، ولا يدل على وجود ولا على سبب وجود، اللهم إلا أن يتفق أن يكون معنى الاسم موجودا معروف الوجود، فيكون فيه حينئذ دلالة ما بالعرض على سبب الوجود. وذلك لأنه من جهة ما هو شرح الاسم ليس ذات؛ وإن كان لا يكون حد ذات إلا وهو شرح اسم. فإن أخذ في الابتداء على انه شرح اسم للشك في وجود معنى الاسم وتضمن بيان سبب معنى الاسم لو كان موجودا، فهو بالعرض معط للعلة، مثل ذكر حد المثلث قبل ثبوت وجود المثلث: فإنه إنما يورد وتؤخذ أولا على أنه شرح اسم، ولا يدري من أمره هل هو موجود المعنى. ومع أنه يؤخذ شرح اسم، لابد من أن يعطى أسباب المثلث وهي الأضلاع الثلاثة. فيكون مثل هذا يعطي أسبابا لما لو كان موجودا كانت أسبابه هذه. فإذا اتفق أن صح عند إنسان أنه موجود انقلب ذلك بالقياس إلى ذلك الإنسان حدا ومعطيا للعلة. وإعطاؤه للعلة - من جهة ما هو شرح اسم - بالعرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت