فهرس الكتاب

الصفحة 500 من 781

أما العلم والظن فإنهما لا يجتمعان: لأن قولنا العلم، يقتضي اعتقادا ثابتا في الشيء محصلا، وهو انه ممتنع التحول عما هو عليه، ويمتنع أن يقارنه أو يطرأ عليه اعتقاد مضاد لهذا الثاني. وقولنا الظن، يقتضي اعتقادا ثانيا بالفعل أو بالقوة القريبة أو البعيدة: وهو ان الشيء جائز التحول عما هو عليه. ومحال أن يجتمع في لاشيء الواحد للإنسان الواحد في وقت وواحد، امتناع تحوله عما هو عليه وجواز تحوله معا؛ أو يجتمع فيه رأي أن يجوز زواله ورأي ألا يجوز زواله.

وأما الظن الصادق والكاذب فكيف يجتمعان في إنسان واحد؟ فغن الظن الذي يظنه وهو كاذب؛ والظن المقابل الذي له وهو فيه صادق - إن تساويا لم يكن ظن بل شك في الأمرين. وإن مالت النفس إلى الصادق بقى الكاذب غير مظنون؛ أو إلى الكاذب بقى الصادق غير مظنون. والشيء الواحد بعينه، الثابت، قد يظن ممكنا مرة، ويرى غير ممكن أخرى. فإذا تناول الرأي كونه غير ممكن تناولا تاما، فهو علم. وإذا وقع عليه الرأي من الجهة الثانية فهو ظن. فيكون في الشيء الواحد من جهتين ظن وعلم لإنسانين: مثلا هذا يظن أن القطر غير مشارك للضلع ويصدق، وذلك يرى أن القطر مشارك له فيكذب. والظنان مختلفان لكنهما واحد في الموضوع.

وأما الكلام في الذهن والصناعة والفهم والحكمة والذكاء والحدس فيكاد يكون أكثره أولى بعلوم أخرى من الطبيعيات والخلقيات. إلا أنا نحدها هاهنا حدا.

فالذهن قوة النفس المهيأة المستعدة لاكتساب الحدود والآراء. والفهم جودة تهيؤ لهذه القوة نحو تصور ما يرد عليها من غيرها. والحدس جودة حركة لهذه القوة إلى اقتناص الحد الأوسط من تلقاء نفسها: مثل أن يرى الإنسان القمر وأنه إنما يضئ من جانبه الذي يلي الشمس على أشكاله، فيقتنص ذهنه بحدسه حدا أوسط وهو أن سبب ضوئه من الشمس. والذكاء جودة حدس من هذه القوة يقع في زمان قصير غير ممهل. والفكرة حركة ذهن الإنسان نحو المبادئ للمطالب ليرجع منها إلى المطالب. والصناعة ملكة نفسانية تصدر عنها أفعال إرادية بغير روية تنحو تماما مقصودا. والحكمة خروج نفس الإنسان إلى كماله الممكن له في حدي العلم والعمل. أما في جانب العلم فأن يكون متصورا للموجودات كما هي ومصدقا بالقضايا كما هي. وأما في جانب العمل فأن يكون قد حصل عنده الخلق الذي سمى العدالة. وربما قيل حكمة لاستكمال النفس الناطقة من جهة الإحاطة بالمعقولات النظرية والعملية وإن لم يحصل خلق.

من الفن الخامس

فإن الشيء إنما يطلب ليعلم. فإذا علم بطل الطلب والمطالب. وإن كان للمكثر أن يكثرها بالأي والكم والكيف وغير ذلك، فإنها بحسب ما يبحث عنه في هذا الموضع أربعة: اثنان داخلان في الهل - أحدهما هل يوجد الشيء أي على الإطلاق - والثاني هل يوجد الشيء شيئا؟ مثل أنه هل يوجد الجسم مركبا من أجزاء غير متجزئة؟. وكل واحد من مطلبي الهل يتبعه مطلب اللم؛)113 أ( ويتصل بذلك مطلب الما. وأما مطلب الأي فمن التوابع لمطلب الما.

ومطلب اللم إما أن يطلب علة الحكم بوجود موضوع أو عدمه على الإطلاق؛ أو علة الحكم بوجوده أو لا وجوده بحال. وكل ذلك إما أن يتعدى فيه طلب علة الحكم إلى طلب علة الوجود أو لا يتعدى. والأحرى أن يكون القياس المبين للهل المطلق شرطيا استثنائيا، وعلته في الشرط. أما سائر ذلك فالأحرى أن تكون العلة فيه حدا أوسط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت