فهرس الكتاب

الصفحة 501 من 781

وأما مطلب ما فيه يتبع المطلب البسيط من مطلبي الهل تبعا ظاهرا. فإنه إذا علم أن الشيء موجود، طلب ما ذلك الشيء الموجود. فقد علم أن مطلب ما الذي بحسب الذات فهو بعد طلب هل وتابع له، لكنه قد يسبق من حيث هو مطلب ما بمعنى الاسم. فإذا أعطى، ثم أعطى مطلب هل، اتضح في الحال مقتضى طلب ما بحسب الذات. ويتبع المطلب المركب من مطلبي الهل أيضًا على وجه من الوجوه، حتى يكون كأنه يطلب ما الحد الأكبر أو ما الحد الأوسط. وذلك لأن الموضوع في المطلوب بالهل المركب يجب أن يكون معطى الهلية والماهية أولا في كل علم؛ ثم تطلب عوارضه الذاتية له بالهلية. فإذا طلب وجود العارض له أو لا وجوده بالهل المركب، بالقياس إلى ذلك الموضوع؛ فبالحرى أن ذلك يقتضي إثبات المحمول العارض بالهل البسيط بالقياس إلى نفسه. وذلك لأن البراهين إنما تبحث عن الأعراض الذاتية للموضوعات، وتلك الأعراض لا توجد إلا في تلك الموضوعات وأجناسها. فإن منع أن يكون لها وجود في تلك الجملة منها، صارت في جملة الممتنعات. وإذا أعطيت وجودا في شيء منها، ثبت أنها في الموجودات. فيكون البحث عن هليتها للموضوع بحتا بوجه من الوجوه عن هليتها مطلقا: كالبحث عن هلية المثلث المتساوي الأضلاع المعمول على خط طرفاه مركزا دائرتين وقد وصلا أيضًا بالتقاطيع، فهو بحث عن هليته في نفسه. فبذلك يعلم أن له إمكان وجود. وإذا صح للشيء هليته استحق أن يطلب له المائية وأن يعطاها بحسب الذات. ويقبل ذلك لا يكون استحق طلبها أو أعطاها إلا بحسب الاسم لا بحسب الذات فقد فرغنا من هذا فيما سلف.

فوقت وضوح بحث الما بحسب الذات لهذه العوارض هو هذا الوقت، وإن كان لا مانع من ان يكون ما قد أفيد في جوانب ما بحسب الاسم قبل الاشتغال بالهل كافيا ابتداء طلب ما بحسب الذات: فإنه يتضح حينئذ مع إيضاح الهلية.

وأما الحد الأوسط فهو العلة، ويتبع فيه طلب الما بعد الهل على وجهين: أحدهما بالقوة والآخر بالفعل. أما بالقوة فلأن طالب الهل في مثل هذا إنما يطلب عما هو مشكوك فيه. فيقتضي طلب الهل أنه يطلب بالقوة هل هناك حد أوسط: مثل من سأل هل القمر ينكسف؟ فإنما يطلب هل شيء يوجب العلم بأن القمر ينكسف؟ فإذا أعطى الهل وقيل نعم وطلب ثانيا لم كان القمر ينكسف، ولم قلت إن القمر ينكسف، فإنه يطلب ما علة القياس في أنه قياس، وهو الحد الأوسط كيف كان؛ أو ما علة القياس في انه برهان، وهو علة الوسط الذي هو علة الأمر في نفسه. ومعنى الطلبين أن الحد الوسط الذي أعطيته بالقوة أولا أنه موجود حين ضمنت أن المر الحق كذا، يجب أن تعطيه الإن بالفعل وتقول ما هو الإن. فيكون البحث عن لم بحثا عما هو الحد الوسط بالقوة، فيكون طلب لم هاهنا إنما هو طلب لم بالقياس إلى النتيجة، ويكون بالفعل، وطلب ما بالقياس إلى الحد الأوسط ويكون بالقوة. وأما طلب ما الحد الأوسط بالفعل فذلك ظاهر لابد منه إن كان مجهولا.

فقول المعلم الأول"الموجود بالجزء"يعني الموجود شيئا ما. و"الموجود بالكل"يعني به الموجود على الإطلاق.

والموجود شيئا ما إما شيئا جوهريا للموضوع، أو عرضا ذاتيا أو عرضا خارجيا.

ثم يقول المعلم الأول: أعني بالموجود على الإطلاق الشيء المطلوب هل نفسه موجود؟ مثل قولنا هل المثلث موجود أو الآلة؟ فهذا إنما يبحث عن وجود نفس الموضوع. وأما هل المثلث كذا؛ أو هل الآلة سبب للشيء، فإنه إنما يبحث عن وجود عارض ما أو لاحق. وهذا هو الموجود شيئا ما.

فقد بان من هذا أن المطالب بالقوة ترجع إلى هل الشيء وإلى ما الشيء. وأن مطلب اللم بحث عن ما الشيء بوجه، لأنه بالقوة بمعنى ما الوسط.

ولكن من الناس من ظن أن هذا منعكس، وأنه ليس في البراهين شيء هو بحث اللم إلا وهو بحث الما بالقوة، ولا بحث الما إلا وهو بحث اللم. وتعدى هذا إلى أن الأوسط في البراهين هي الحدود. وكل ذلك أمر باطل. فإنه ليس كل بحث عن ما هو عن الأوسط. وأيضًا ليس البحث عما هو الأوسط هو البحث عن مائية أحد الحدين الآخرين حتى يكون الجواب به حدا. ولا كل ما هو علة موجبة فهو حد أو جنس أو فصل أو مادة أو صورة: فإن العلل الموجبة لأمور لا في أنفسها ولا هي بوجه ما نفس الواجب - لا صورة ولا مادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت