وقد علمت أن الأكثريات يبحث عنها من حيث الوجود من حيث الإمكان. وأما الآخر فمن حيث الإمكان فقط. ولذلك فإن الأكثريات تؤخذ مقدماتها في القياسات كالمطلقات، فيقال: من سقى السقمونيا أسهله، ذلك صفراء؛ ولا يقال ممكن. فإنه إن قيل: يمكن، أوهم أنها ممكنة لا يتعين منها طرف، فنظرت التنفس إليه من حيث الإمكان لا من حيث الوجود فنبا عنه التوقع فرفض. فإن الممكن من حيث هو ممكن غير معلوم الوجود، ولا على تعين الوجود فيه قياس، اللهم إلا الأكثري من حيث هو أكثري، فإن وجوده مظنون مع أن إمكانه معلوم. وعلى وجوده قياس ما، كما على إمكانه. وأما المتساوي فليس على وجوده قياس ولا هو معلوم؛ بل إمكانه هو المعلوم فقط. ولذلك ما كانت الممكنات المتساوية والأقلية لا توضع موجودة في العلوم، ولكن تطلب ممكنة بحيلة كما في علاج السل والاستسقاء ورد المزاج إلى الأصلح، أو لتحذر، وذلك فيم يرجع إلى عمل، ولتعلم أن الأمر غير محال، وذلك في الأمور النظرية. ومع ذلك فإن الممكنات قد تؤخذ في صنائع أخرى موجودة، كما يقال في الخطابة: فلان كلم العدو م الحصن جهارا، فهو خبيث النية. كأنه قال: ومن يفعل هذا يكن خبيث النية؛ ولا يقول: إنه يمكن أن يكون خبيث النية، فإنه إذا قال هذا لم يقنع في غرضه، إذ إمكان خبث النية مما لا يحتاج أن يبين ويخطب له، ولا معرفته بنافعة في التدبير؛ ولأخر من الخطباء أن يقول: فلان كلم العدو من الحصن جهارا، فليس بخبيث النية؛ كأنه يقول: ومن تكلم جهارا لا يكون خبيث النية. فهذه مقاييس خطابية تستعمل فيها الأمور المتساوية من حيث الوجود، وقائلها يوهم فيها، لا أنها أكثرية غير متساوية فقط؛ بل أنها موجودة على ما نوضح في صنعة الخطابة والسوفسطائية والشعرية. وقد تستعمل أيضا الأقلية والممتنعة الوجود؛ بل قد يستعمل ذلك في الخطابية أيضا إذا كانت مظنونة. وجميع ما قلناه في الممكن إنما هو بحسب طبيعته، وليس الغرض في ذلك تعريف حال الممكن عندنا المجهول، فإن كل مجهول عندنا يمكن أن يكون وأن لا يكون. وربما كان في نفسه واجبا، وربما كان ممتنعا، وربما كمان بالحقيقة ممكنا.
من الفن الرابع من الجملة الأولى في المنطق
(ا) فصل
فلنشرع الآن في تعليم القياسات التي في الممكن: فالضرب الأول من الشك الأول منه: كل ج بَ بالإمكان، وكل بَ آ بالإمكان، فيبين أن كل ج آ بالإمكان. وذلك لأن ج داخلة بالقوة تحت بَ، فلها بالقوة ما لبَ. فهذا قياس كامل. ثم قد وقع بين القوم في هذا تشاجر، فقال بعضهم: إن هذا القياس لا يجب أن يكون بينا كاملا بنفسه أنه قياس، وإنما وجب كما لنظرائه فيما سلف؛ إذ كان ج بالفعل بَ، فكان ما يقال على بَ يدخل فيه ج. وأما إذا كان الدخول فيه بالقوة، كان الحال كما في الشكل الثاني والثالث. فإن الشكل الثاني قد حكم فيه أن ج بالفعل بَ. ولكن لم يحكم هناك بالفعل على بَ بشيء، حتى يدخل فيه ج بالفعل، فج وإن كان بَ، فليس بالفعل، داخلا تحت حكم على بَ؛ بل بالقوة. وذلك لأنه لم يحكم على بَ بالفعل، بل بالقوة. وفي الشكل الثالث ليس ج فيه بالفعل بَ، بل بالقوة، لأنه يمكن أن يعكس، فيجعل ج تحت بَ. وههنا أيضا فإن ج لم يدخل بالفعل تحت بَ، بل بالقوة. والحال في دخ له تحت حكمه بالقوة هو كما كان في الشكل الثالث حيث احتاج إلى بيان، فليس هذا إذن قياسا كاملا.