قال قوم: إن قولنا كل بَ آ، معناه أن كل بَ بالفعل وبالإمكان فهو آ، وبالجملة كل ما يصح أن يكون ج، فيكون ج تحت بَ، لأنه أحدُ ما يصح أن يكون. فإذا كانت ج داخلة تحت بَ كان القياس كاملا. وقد علمت ما في ذلك. ومع ذلك فينتقض هذا في موضع قريب حيث تجعل الكبرى مطلقة أو ضرورية، والصغرى ممكنة؛ ويجعل القياس غير كامل، ولا وجه لذلك إلا أن ج غير داخلة تحت بَ بالفعل. لكنه قد قال قوم هناك إنه ليس معنى قولهم: إنه قياس كامل، هو أنه قياس كامل بالإطلاق؛ بل هو قياس مل بالقياس إلى قياس آخر بعده يتبين به. والذي يجب أن يقال في هذا أنه ليس يجب أن يشتغل في أمثال هذه الموضوع بكل هذا التشدد والتعصب؛ بل لِيُعلم أن كثيرا من الأمور الظاهرة للناس يتشدد فيها الناس بالتماس البيان تشددا يحوجهم إلى العدول عن أمور ظاهرة. وأنه كما أن الموجود لما هو موجود للشيء ظاهر أنه موجود له، فكذلك الممكن للمكن الظاهر أنه ممكن. ولا يوجد شيء يبين به هذا الظاهر أظهر من هذا الظاهر.
ونقول لمن قد فرّع إلى أن قال: إن قولك بَ هو كل ما يكون بَ بالقوة أو بالفعل، أرأيت لو أن إنسانا قال: كل ج بالفعل يمكن بأن يكون بَ، وكل ما هو بَ بالفعل فيمكن أن يكون آ، لم يكن لنا بد من أن نحكم أن هذا قياس. فإن أنكر أن يكون هذا قياسا فقد تكلف الشطط. وكيف لا يكون هذا قياسا، ويلزم عنه لذاته قول آخر دائما؟ وإن كان هذا قياسا فهو من أي القرائن وأي التأليفات؟ وإن كان قولهم ما هو بَ، معناه ما هو يصح أن يكون بَ، كان هذا الذي أوردناه ضربا من القياسات ذوات الجهات قد ضيعت. ثم إن كان هذا قياسا فأي قياس أظهر من هذا يبينه؟ وإن تكلف أن يبين بأن يزاد عليه فيقال: وما هو الممكن للممكن فهو ممكن، وتجعل هذه المقدمة من حقها أن يصرح بها لكنها أضمرت، فهل قولهم: ممكن الممكن ممكن، غير قولهم: آ الممكنة لبَ الممكنة لج ممكنة لج؟ فهل آ إلا ما هو ممكن أي شيء كان؟ وهل بَ ما هو ألا آ المكن له الممكن؟ وهل ج إلا الشيء الثالث. فإن آ هو بدل قولك ما لأنه بدل المعنى الكلي، وليس حدا مشارا إليه بعينه. وبَ بدل الآخر، وج بدل الثالث. فظاهر إذن أن ممكن الممكن ممكن ظاهر الإمكان، كما أن الضروري للضروري ضروري، والوجود للموجود موجود. نعم إذا اختلطت الوجوه تشوش الذهن فيها فاحتاج إلى فحص ونظر. وذلك مثل: ممكن الضروري، وضروري الممكن؛ وكذلك إمكان لا،مع إمكان نعم .
فبين أن هذا القياس كامل، إذ لا شبهة فيه، وليس كالشكل الثالث والثاني. فإن نظم المقول فيه على الكل والترتيب الطبيعي وزائلان، وحال الحد الأصغر في الشكل الثالث ودخوله بالقوة تحت الحكم الكلي ليس يشبه حال هذا الدخول الذي ههنا؛ بل يخالفه من وجهين: أحدهما: أن قولنا: إن الأصغر داخل في الشكلين تحت الحكم الذي على الأسوط، ليس معناه أن ذلك الحكم لم يوجد له بالفعل، أو أنه موجود له بالإمكان، بل معناه أن القائل لم يحكم عليه بالفعل؛ بل حكم على غيره بالفعل حكما، إذا حكم على ذلك الغير، وكان صادقا، أمكن أن يحكم به حينئذ على الأصغر حكما صادقا، ولم يستحل، ولم يجب أن يكون لا محالة قد حكم بذلك حاكم. وإن كان إذا حكم صدق، لست أقول: لم يجب صحة ذلك الحكم إذا حكم، فتكون هذه القوة لا بالقياس إلى نفس الأمور، بل بالقياس إلى حكم الحاكم، الذي إذا حكم، فذلك كان له، وأمكنه أن يقول ذلك، ويكون صادقا. وأما ههنا فإن القوة ليست بحسب الحاكم، بل بحسب الأمر في نفسه، إذ جعل الموضوع في نفسه مكنا له الأمر، ولم يحكم بوجوده له. وليس يجب إذا كان ذلك النوع من الدخول بالقوة يجعل القياس غير كامل، أن يكون هذا النوع يجعله أيضا غير كامل.
والوجه الثاني: أن الدخول بالقوة هناك على أي وجه كان هو أمر في طبيعة الحد الأصغر، وليس بينا، بل يحتاج أن يبحث عنه لنعلمه ونبرهن عليه، فيتضح لنا حينئذ أن ج بالقوة كانت داخلة تحت بَ. فلو كان ذلك معلوما لنا بنفسه، كما هو حاصل في نفسه، ما كنا نحتاج إلى العكس وإلى غير ذلك. وأما ههنا فقد علمنا وتحققنا أن ج بالقوة داخل تحت الحكم، وإذا علمنا أنه بالقوة داخل تحت الحكم لم يحتج إلى أن نعلم شيئا آخر. وأما في ذينك الشكلين فإن الأصغر وإن كان داخلا بالقوة في الحكم فإنما كان كذلك في نفسه، وكان مجهولا لنا، وكنا نطلب لنعلم ماله في طبعه.