ولنورد أمثلة مرائية تغلط من جهة اللفظ، وحلها غير حل المغالطة التي وقع فيها اسم مشترك، مثل قولهم:"أليس من يرمي شيئًا هو له يصير له، فمن رمى الكراع الذي عنده فيكون لا كراع له؛ لكنه إن رمى واحدًا جاز أن يبقى عنده تسعة، فيكون له كراع ليس له كراع". ومثل هذا ليس فيه اسم مشترك، وإنما وقع الغلط بسبب أن قوله"لاكراع له"فهم منه: لا كراع له ألبتة، وأن التسليم وقع لقلة التحرز لا لاشتراك في لفظة الكراع، أو لفظة من الألفاظ المفردة. وكذلك:"هل يبذل الإنسان إلا ما له؟ فيقول: لا؛ فنسأله بالسرعة أنه إن بذل ما له؟ فيجيب المجيب بالسرعة، ويقول: نعم، فننتج عليه: أن الإنسان يعطي ما ليس له". وأيضًا:"هل الذي ليس له يد يبطش باليد؟. وأيضًا: هل الذي ليس له عين يبصر؟ فإن قالوا: بلى، يشنع أنه كيف يبصر بلا عين، ويبطش بلا يد، وإن قالوا: لا، فذو اليد الواحدة والأعور ذاك يبطش وهذا يبصر". وقد ذكر حال هذا خارجين مما يتعرض للمثال لا للقانون، وفيهما كلام كثير من وجوه الاحمال فوق محل المنال. والحل وما فسرا به غير لائق.
وأيضًا مثال آخر:"أليس كتبك هذا صادقا لشيء كتبته؟ فتقول بلى. ثم تقول: أليس ما كتبته كاذب؟ فتقول: بلى، إذا كان كاذبا؛ فإذن هو كاذب وصادق". والسبب أن هذا الكاذب هو قول صادق، والعقد الكاذب عقد صادق. وههنا فقد أخذ الكذب مقرونا بالمدلول عليه، والصدق مقرونا بالعدل من الكتابة، ولاختلاف التركيبين وقعت المغالطة.
وأيضًا:"أليس ما يتعمله زيد هو هو، وهو يتعلم الثقيل والخفيف، فهو ثقيل وخفيف. والمغالطة - كما علمت - من قبل رجوع"هو"تارة إلى المتعلم وتارة إلى المتعلم، وليس يسلم المجيب أنه"هو"المتعلم، بل"هو"الشيء الذي يتعلم لا زيد."
وأيضًا:"أليس هذا الشيء الذي يسيره الإنسان يطأه، وهو يسير يوما كله، فهو يطأ اليوم"، لأنه يطأ ما يسير فيه من المسافة، لا الزمان."وهذا أليس يشرب من الكأس، ولكنه لم يشرب منها شيئًا"، والمغالطة أن"هذا"يشرب منها لا من جوهرها."وأليس كل متعلم هو إما متلقن وإما مستنبط، ولكن المستنبط ليس متلقنا أو مستنبطا، والمتلقن ليس مستنبطا أو متلقنا"؛ والمغالطة بسبب ربط ما بين القضيتين، فأنه يوهم أنه ربط أحدهما بالآخر على أنه معاقبة، ويوهم أنه ربطه به على أنه معاندة.
وأيضًا:"الإنسان في نفسه شيء ثالث غير العام والخاص، لكن العام والخاص هو لأنه إنسان". وهذا المثال قد يحتمل أن يجعل تضليلا معنويا، لكنه مع ذلك لفظي أيضًا، وذلك لأنه غير العام والخاص في نفسه، أي اعتبار نفسه، والخاص والعام هو لا باعتبار نفسه، ففيه مغالطة من جهة اعتبار تركيب نفسه مع الإنسان وتفصيل معه، وهو من حيث نفسه لا يصدق أنه شيء من الاثنين، بل كشيء منهما. وكذلك جميع العوام حملت على الشيء من طريق ما هو، أو حملت خارجه عن جوهره، فإن السبيل واحدة.
ثم بالجملة فجميع ما يغلط عند اللفظ يقابل عند الجواب بالضد: إن كان الغلط بالتركيب، فيغلط من تركيب القسمة، وإن كان من القسمة فيحل بالتركيب. وإن كان الغلط شيئًا مثلا بشكل مخفف، فليكن الجواب بشكل مثقل، وإن كان باسم مشترك فبأن يأتي باسم محقق للمعنى المفرد، وكان في المراء وفي التركيب، مثلا إذا قال:"أليس من يمشي يتوطأ ما يمشي فيه، وهو يتوطأ الزمان"، فيكون تسليما أن الذي يمشي يتوطأ ما يمشي فيه من المسافة دون الزمان. وعلى هذا القياس في تلك البواقي.
(ه) فصل
وأما التي من طريق المعاني، فالذي من العرض فبعضه واضح مستمر في جميع ذلك، بأن يكون ذلك في بعض الجوابات من الأعراض إذا سئل عناه، فيقول: ليس من الاضطرار أن يكون مثلا الأبيض موسيقار، وإن كان قد يوجد أيضًا ويتفق وجوده. وإنما يلزم الصدق في جميع الأغراض إذا لم تكن متباينة الأجناس العالية والوسطى، فحينئذ لا تنفذ حيلة المغالطة؛ ويوضح ذلك بأمثلة يسمعها السامعون، ويستوحش من مخالفتها المشاغب.