ويجب أن تمتحن هذه الأمور المذكورة في المقولات المعلومة؛ فإن في كل واحد منها شيئا هو جنس، وشيئا هو فصل. فإن الفصول الجوهرية قد علمت أنها جواهر، وكيف هي جواهر. وفصول الكيف، كمثل ذلك، قد تكون كيفا، على ما علمت. وربما كانت الكيفية فصلا، ولكن لمقولة أخرى غير الجوهر. وبالجملة فقد نجد في كل واحد منها فصلا، إما أن يكون لشيء داخل في بابه، أو لشيء آخر. وكذلك قد يكون في كل واحد منها ما هو خاصة. فأما في الجوهر، فإنه قد يخص الإنسان الضاحك، كما يخص الضاحك الإنسان؛ فإن الإنسان ليس جنسا للضاحك، ولا فصلا، ولا نوعا يكون الضاحك شخصه، ولا عرضا، بل هو خاصة له تدخل في حده لا كما يدخل الجزء بل كما يدخل الخارج، وعلى ما علمت، وتحققته سالفا. وأما وجود الخاصة من المقولات الأحرى، فكما تعرفه، ولا نحتاج أن نبتدئ تعريفه. والعرض قد يكون في كل واحد منها، وذلك ظاهر في جميعها. وأما الجوهر، فقد يحمل على شيء من الأشياء حملا على سبيل أنه عارض له، كما يحمل الحيوان على المتحرك من حيث هو متحرك، فتكون نسبته إلى المتحرك ليس نسبة شيء غير العرض، أعني العرض الذي هو أحد الخمسة الذي هو العرضي دون العرض الآخر.
وأيضًا فإن المحمول في المسائل يكون إما جوهرا، أو ما يدخل في الجوهر مما ليس بجوهر، كما علمت؛ وإما أحد التسعة الأخرى، إما بالقياس إلى الجوهر، وإما بالقياس إلى حد الشيء. فإن العرض له حد يدل على ماهيته، وله أيضًا مع لواحق داخلة في الحد، وهي أعراض ما. وذلك لأن العرض قد يعرض للعرض عروض الذي هو أحد الخمسة، فيكون بسيطه عرضا بمعنى العرض الذي بإزاء الجوهر، ويكون مركبه شيئا ذا ذلك العرض. وربما لم يكن إلا عرضا أعني بحسب ما يلزمه، وعلى ما علمت. وكل واحد من هذه الأجناس كما علمت، فإنما يدل من طريق ما هو لا على كل شيء؛ بل على ما هو جنسه، فهو داخل فيه بالذات. وإما على ما هو خارج عنه فقد يكون غير دال على ماهيته بل عارضا.
فهذه الأربعة تطلب في هذه العشرة. وكل واحد من هذه العشرة إنما يكون الجنس منه جنسا لما هو في مقولته. وأما العارض منه، فقد يكون عارضا لما ليس في مقولته؛ حتى إن الجوهر يكون عارضا لغيره؛ كالإنسان للمتحرك، وقد يكون عارضا لما في مقولته كالكم المنفصل يعرض للمتصل، وبالعكس. فإن كل مقولة إذا وجدت في غيرها كان على سبيل العارض لها، وإنما يقوم تقويم الجنس ما هو موجود فيها. وإذا سئل عن هذه العشرة: أو عن شيء منها هل هي موجودة أم لا، فيكون الموضع النافع فيه موضع الإثبات المطلق، وإذا سئل عنها هل هي جنس، أو فصل، أو خاصة، أو عرض، فيكون الموضع النافع فيها هو الموضع الخاص بذلك الباب. ونقول: إن اعتبار هذه الأحوال إنما هو بحسب المطالب، أي الدعاوى في القضايا الجدلية. وذلك لأن هذه المحمولات إنما حددت لتعد نحوها المواضع، والمواضع إنما تعد نحو الإثبات والإبطال. والإثبات والإبطال إنما يتوجه نحو الدعاوى؛ فإن المقدمات الجدلية من حيث هي مقدمات جدلية، وليست دعاوى منصوبة، لا ينفع النظر فيها من حيث محمولاتها أحد هذه المحمولات. وأما البرهانية، فمعرفة نسبة المحمولات إلى الموضوعات النحو من النسبة التي لها نافع جدا، فإن ذلك يحقق أحوالا من أحوال الصدق والكذب، بل حال المناسبة مع المطلوب. وأما المقدمات الجدلية، فالمعتبر فيها التسليم المشترك أو الخاص على أي نسبة كانت الحدود، فإن ذلك لا يتعين له حكم بان يكون المحمول شيئا أو غيره. وأما محمولات الدعاوى، فإن اعتبارها من حيث هي أحد المذكورة نافع في باب ارتياد الموضع المثبت أو المبطل لها.
فصل (ح)
لكنه يلزمنا أن نعرف كيف نستنبط المواضع. وقبل ذلك فيلزمنا أن نحد المقدمة الجدلية التي هي جزء قياس جدلي، والمطلب الجدلي الذي هو أحد طرفي النقيض فيما يسوق إليه القياس الجدلي، وهو للمجيب ما ينصره ويحفظه، وللسائل مقابله، وهكذا يجب أن تفهم هذا الموضع من التعليم الأول، لا كما ظن من أنه يعني بهما شيئا واحدا بالفعل أو بالقوة جزء للقياس الجدلي. أما وهو ما هو بالفعل فإذا استعملت مقدمة، وأما بالقوة فإذا أخرجت على جهة السؤال كي يتسلم؛ فإن هذا غير موافق للغرض.