فهرس الكتاب

الصفحة 555 من 781

وكل ما يقال فيه هوهو فيه اثنينية ما أولا بوجه، ثم ترد إلى وحدانية. فأما الاثنينية في هوهو بالمعنى الجنسي، وهوهو في المعنى النوعي فمفهوم؛ والوحدة أيضًا مفهوم. أما في المعنى الشخصي فقد تكون الاثنينية بالعرضين، والوحدة بالموضوع، كقولنا: البناء هو الكاتب. وقد تكون الاثنينية بالموضوع، والعرض والوحدة بالمجتمع الذي يتناول بالإشارة جملته، مثل قولنا: زيد هوهو هذا الكاتب. وربما كانت الكثرة بحسب اسمين، والوحدة بحسب المعنى، وهو أولى ما يقال له هوهو، إذ لا غيرية فيه في المعنى، كما يقال: الإنسان هوهو البشر.

وربما أشكل في الشي الواحد أمر هوهو، فظن أنه بالشخص، وإنما هو بالنوع والسبب فيه أن الكثرة بالنوع قد تكون فيه ظاهرة بالفعل، وقد تكون خفية بالقوة. فحيث تكون خفية تؤخذ على أنها ليست واحدة، مثال ذلك أن المياه المفرقة في أوعية شتى، لا يشكل من أمرها أنها ليست واحدة بالعدد، وأن وحدتها بالنوع. لكن المياه المتصلة السيلان، الخارجة من عين واحدة جراوة، فمن حيث إنها تفترق بالمواضع المختلفة التي تمر عليها وتحاذيها، يعقل من أمرها التفرق، ومن حيث اتصال بعضها ببعض وتشابهها في الجزئية، اللذين هما تشابه فيها بعد النوع يظن أنها واحدة، وليست أجزاء الماء الجاري التي بهذه الصفة واحدة. وكيف يكون الماء الواحد موجودا في جزء من الأرض دون جزء، واقعا في موازاة شيء واحد وغير واقع، بل هذه كثيرة بالعدد واحدة في النوع، فهو هويتها ليست بالعدد بل بالنوع.

ولست أعني أنه إذا كان جملة السائل لا يعرض لأجزائها افتراق بمثل ما ذكرته يكون كثيرا بالعدد، بل أن يكون على ما قلت. فإن الماء المتصل الذي لا خلاف في أجزائه يكون واحدا بالفعل، سواء كان كثيرا أو قليلا، وسواء كان متحركا أو ساكنا. ولو كانت نفس الحركة منقسمة لكانت تقسمه دائما إلى متحرك ينقسم دائما إلى متحرك، فكان سيكون هاهنا كثرة أجسام وبالفعل لا نهاية لها، وهذا محال. ولكن يجب أن تؤخذ الأجزاء على الصفة المذكورة.

وأحق ما يقال له هوهو، من جملة ما عددناه، هو ما يكون بالعدد؛ ومن الذي بالعدد ما تكون الاثنينية فيه بالاسم، وتكون الوحدة في تمام المعنى، وهي التي تكون هي هي بالحد. ثم ما يكون بالخاصة، كقولنا: إن الإنسان هو الضحاك، أو قابل العلم؛ وإن النار هي المتصعدة إلى فوق؛ ثم ما بالعرض.

ولكن لقائل أن يقول: إن الإنسان والحيوان الناطق واحد بالنوع، والإنسان والضحاك ايضا، وسائر ما مثلتم. فنقول: ليس كذلك،بل الواحد بالنوع شخصان تحت نوع واحد؛ وليس كذلك حال الإنسان والحيوان الناطق والضحاك، بل الذات التي للإنسان هي التي للمحدود بالحيوان والناطق؛ والموضوع الذي هو الإنسان هو بعينه الذي يقال له الضحاك، فيصير الإنسان من حيث هو يعتبر هذا الاعتبار كذات واحدة بالعدد، وإنما تصير كلية بالقياس إلى الكثرة التي تحته.

وأما أن الاسم والعرض قد يقعان موقع هوهو، فيدل عليه أنا إذا التمسنا من خادم لنا أن يدعو إلينا صديقا حاضر محفل، قلنا: ادع إلينا ذلك الجالس الوسيم، فيدعوه؛ فتكون ذات ذلك الصديق هوهو الجالس الوسيم. وقد تدخل في باب الهوهو بالعرض ما يكون هوهو على سبيل المناسبة، على أحد وجوه المناسبات التي نذكرها بعد.

فهذه هي المباحث المفروضة للمطالب. والدليل على ذلك أن كل محمول إما أن ينعكس على الموضوع، أو لا ينعكس. فإن انعكس، فهو إما دال على الماهية، فهو حد؛ أو غير دال عليها، فهو خاصة. وإن لم ينعكس، فهو إما مقول من طريق ما هو، فهو جنس أو فصل؛ أو غير مقول، فهو عرض. فكل محمول يطلب إثباته، فهو أحد الأربعة. وقد يطال لا إثباته، بل أنه هل هو حد، أو هل هو جنس، وما أشبه ذلك. ولا تختلف الأربعة من حيث الطلب الأول، وإنما تختلف من حيث الطلب الثاني.

وأنت تعرف أن كل طلب فيرجع إلى شيء من هذا بالاستقراء. فإن قولنا:"هل النفس جوهر"، طلب للجنس؛ وقولنا:"هل الإنسان قابل للعلم"، و"النار متصعدة بالطبع إلى فوق"، طلب للخاصة؛ وقولنا:"هل النفس عدد متحرك لذاته"، طلب للحد؛ وقولنا:"هل العالم محدث"طلب للعرض اللازم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت