فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 781

ولنرجع إلى الرأس فنقول: كلُّ ذاتينْ يَحْصُلَ أحَدهما في الآخر حصولا أولياَّ لا يتميز منه شىء عن الآخر، لا كالوتد في الحائط، إذ باطن الوتد متبرىء عن الحائط، ويكون لو وقعت إشارة إلى تلك الذات لتناولتهما جميعا، فأيهما جعل صاحبه بصفةٍ وهيئةٍ ونعتٍ، فإنه أماِّ عرضٌ في صاحبه وإما صورةٍ؛ وذلك لأنه إنْ كان صاحبه المتصف به متقوم الذات، وهذا إنما يتقوّم به، فهو عرضٌ؛ وإن كان صاحبه لم يتقوم بعد إلا به وله حق في تقويم صاحبه فهو صورة؛ ويشتركان في أنهما في محل؛ لكنَّ محل أحدهما يسمى مادةً، ومحل الآخر يسمى موضوعا.

فصل (و)

كون الشيء عرضًا ووجهًا

في إفساد قول من قال: إن شيئا واحدا يكون عرضا وجوهرا من وجهين

وقد نبعث مذاهب عجيبة في أمر العرضِ والجوهر دعا إليها الإشكال الواقع في الفرق بين العرضِ والصورة، وظن أربابها أن الصورة أيضا في موضوع، إذْ كان الموضوع يقال باشتراك الاسم على ما قلناه وعلى المادة، بل على المعنى الذى يعم الموضوع والمادة، الذى بالحرى أن نسميه حاملا، بل والموضوعِ الذى بالحرى أن نسميه مبتدأ في الخبر. وسمعوا أن الصورة يكون لها استحقاق لأن تكون في حالٍ جوهرا، ومن جهة أن اسم الكيفية اسم مشترك كما يعرف تفصيله في الفلسفة الأولى. ثم إنهم قد سمعوا أن فصول الجواهر جواهر، وسمعوا أن فصول الجواهر كيفيات، ولم يعلموا أن فصول الجواهر إنما تسمى بهذا الاسم بالاشتراك، فظنوا أن الكيفية، التى هى المقولة التى سنذكرها بعد، تكون مشتملة على فصول الجواهر، وكانت هذه الكيفية عندهم عرضا، صارت فصول الجواهر أعراضا عندهم؛ وكانت فصول الجواهر عندهم أيضا جواهر؛ فكأن الشىء يكون عرضا وجوهرا؛ وأيضا كانت الصورة في حامل الصورة، لا كجزءٍ منه، فكانت عرضا؛ وكانت في الجوهر المركب جزءا منه، فكانت جوهرا؛ إذ جزء الجوهر جوهر؛ فكان الشىء الواحد جوهرا وعرضا. والبياض أيضا جزء من الأبيض، إذ الأبيض مجموع جوهر وبياض، فالبياض موجود في الأبيض الذى هو جوهر وجود الجزء، فلم يكن فيه نحو وجودِ العرض في الشىء؛ فهو فيه إذن جوهر؛ وهو بعينه في موضوعه عرض، إذ هو فيه لا كجزء منه، وسائر ذلك. فتهوست طبقة وظنت ان شيئا واحدا يكون جوهرا وعرضا.

وأما نحن فنقول: إن هذا مستحيل فاسد؛ فإن هذه المقاييس كلها فاسدة. ونقول أولا إنا نعنى بالجوهر الشئ الذى حقيقة ذاتِه توجد من غير أن يكون في موضوع البتة أى حقيقة ذاته لا توجد في شىء البتة لا كجزء منه وجودا يكون مع ذلك بحيث لا يمكن مفارقته إياه وهو قائم وحده؛ وإن العرض هو الأمر الذى لا بد لوجوده من أن يكون في شىء من الأشياء بهذه الصفة حتى أن ماهيته لا تحصل موجودة إلا أن يكون لها شىء يكون هو في ذلك الشىء بهذه الصفة.

وإذ الأشياء على قسمين: شىء ذاته وحقيقته مستغنية عن أن يكون في شىء من الأشياء كوجود الشىء في موضوعه، وشىء لا بد له أن يكون في شىءٍ من الأشياء بهذه الصفة. فكل شىء إما جوهر وإما عرض. وإذ من الممتنع أن يكون شىء واحد ماهيته مفتقرة في الوجود إلى أن يكون شىء من الأشياء هو فيه كالشىء في الموضوع، وتكون مع ذلك ماهيته غير محتاجة إلى أن يكون شىء من الأشياء البتة هو فيه كالشىء في الموضوع؛ فليس شىء من الأشياء هو عرض وجوهر.

فلنرجع إلى شكوك هؤلاء فنقول: إن الصورة ليس لها موضوع البتة هى فيه. لأنها إما أن تكون في المركب وهى في المركب كجزء منه، فليست فيه كالشىء في الموضوع. وأما في المادة فقد بينا أنها ليست فيها كالشىء في الموضوع. وإذا لم يكن لها وجود في شىء يتوهم أنها فيه كالشىء في الموضوع إلا في هذين. وتعلم أنها ليست في شىء من الأشياء غير هذين كالشىء في الموضوع. فالصورة لا تحتاج ذاتها أن تكون في شىء من الأشياء كالشىء في الموضوع.

فليست الصورة عرضا البتة، بل هى جوهر على الإطلاق. فإن الطبيعة التى هى صورة في النار، ليست، أعنى هذه الكيفية المحسوسة، وجودها في النار كالجزء في المركب؛ وهى في مادة النار لا كشىء في موضوع، بل كشىءٍ في مادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت