ومن ترك حقه من الإضرار بالآخر على مبني السنة الغير المكتوبة، إذا كانت المكتوبة لا ترخص له في ذلك الإضرار، لا يسمى حليما ولا محتملا. وإن كان الأمر بالعكس، سمي حليما ومحتملا. ومن تعاطى الإفضال على الآخر على موجب فتوى السنة المكتوبة، فإن كان لا توجبه السنة المشتركة، لم يسم متفضلا. فإن تبع فتوى السنة المشتركة في ذلك، وإن كان لا توجبه عليه السنة المكتوبة، أو توجب عليه دونه، يسمى متفضلا.
وبإزاء المتظلم اثنان: معتذر ومستغفر. وقد قلنا في المعتذر، فبالحري أن نقول في المستغفر. والمستغفر هو ملتمس الحلم أو التفضل. أما الحلم، فبأن لا يعاقب على جوره وأما التفضل، فبأن يترك عليه ما جار فيه، ولا يرتجع منه. فإن ترك ذلك عليه نوع من مغفرته. فليسم باسم آخر. والأنواع النافعة في الاستغفار أن يقال: إن الحلم هو الصفح والأولى بالعاقل أن لا ينظر إلى قول الشارع في شرعه، بل إلى سيرته من حلمه وصفحه وأن لا يتعلق بالظاهر من لفظه، بل بالمقصود من مراده وأن لا يؤاخذ بعمل العامل، بل يلحظ نيته وأن لا يلتفت إلى نادر خطيئته، بل إلى متواتر طاعته. وأن يقول المعتذر المستغفر: لا تلحظني بعين الحال، بل يعين السالف والآنف. فقد أحمدتني فيما مضى، وستحمدني فيما يستقبل. واذكر الجميل، ينسك القبيح. وتأن ولا تتوثب بالمكافأة، فعسى أن يكون ما كرهته يعقبك خيرا. وليكن للمشكور من الجميل عنك موقع عندك ليس دون موقع المشكو من القبيح بفعله. وليكن حضور الولائم آثر عندك من حضور المخاصم. فإن الخير الكريم موادع، والخبيث اللئيم نزق منازع. واعلم أن الصخب الأهوج ربما نزعت نفسه إلى أن يتحالم. فلتكن أنت أولى به. فبهذه الأشياء يعتذر المعتذر، ويستغفر المستغفر.
وحينئذ للشاكي أمور يعظم بها الظنية وبإزائه للمعتذر أمور أضدادها يهون به الفعلة. فمن الظلم العظيم ما يقدم عليه الإنسان العظيم الذي لا فاقة به إلى الجور. فيكون اليسير من فعله مستعظما، فإنه يدل على العظيم من شره. وربما كان اليسير من الجور مستعظما، لا من جهة الجائر، بل من جهة المجور عليه، إذا كان فقد ذلك اليسير عظيم الضرر عليه، كمن لا يملك إلا قوتا ويغصب ما يملكه. والخيانة الخسيسة مستعظمة، كمن يسرق من وقف المسجد درهما. فإن هذا، وإن كان من طريق الحقيقة واعتبار العدل ظلما قليل الضرر لا يوجب الحكام فيه عقوبة بالغة، فهو من جهة استنكاره عظيم القبح، وإن كان من الظلم الذي لا يفتقر إلى مصالحة، ولا إلى مشاجرة ومرافعة إلى الحكام، أو احتمال عن المظلوم بسبب أنه صديق وقريب، فإنه دون أن يقع فيه حلم وصفح، كما لا يقع به تفضل، فإنه ليس مما يتعين به صلاح. والحاكم، إنما يرفع إليه فيما يحتاج أن يرده الحاكم إلى الصلاح، أو فيما يحتاج أن يقيم فيه حدا. وعن الظلم العظيم أن يجمع إلى غضب النقمة الإنهاك في العقوبة. ومن الظلم العظيم ما يقع على المحسن، مثل عمل الناسك بابن عرس. ومن المعظمات أن يقال: إنه أول من فعل، وإنه المنفرد وحده بما فعل، وإنه كثيرا ما فعل، وإنه جار على من توخى بصنعه التقرب إليه والمصلحة له. ثم من الظلم العظيم أن يستعان فيه الجسراء على الانهماك الذين لا رقة بهم ولا رأفة، كأنهم سباع ضارية، حتة يستعان بهم في العقوبة. وقطع القرابة وإغفال حقها وإخافتهم ظلم عظيم. وكذلك خفر العهد، والحنث في اليمين، والخيانة في الأمانة، والتعرض للمحصنات. فإن هؤلاء لا يقتصر بهم على العقوبة، بل يعمل على فضحهم وإخزائهم، كما يفعل بشهود الزور من فضحهم في مجلس القضاء. والظلم في السنة الغير المكتوبة أعظم، لأن هذه السنة أوجب. وكذلك تعدي المكتوبة أيضًا ظلم عظيم عند مستحليها.
وأما الظالم اليسير فهو ما قابل ذلك.
فليكن ما قلناه كافيا في التصديقات الواقعة بصناعة.
فصل