فهرس الكتاب

الصفحة 781 من 781

ولايجب أن يحتاج في التخييل الشعري الى هذه الخرافات البسيطة التي هي قصص مخترعة، ولا أن يتمم بافعال دخيلة مثل أخذ الوجوه وهي أفعال يؤثر بعض الشعراء أو الرواة أيرادها مع الرواية التي يخيل بها القول. فأن ذلك يدل على نقصه، وعلى أن قوله ليس يخيل الا بفعل. وأنما يضطر الى ذلك من الشعراء: أما الرذال منهم فلضعفهم، وأما المفلقون فلمقابلة الاخذ بالوجوه بأخذ الوجوه. وأما أذا قابلهم الشعراء المفلقون دون هؤلاء لم يبسطوا الخرافات خالطين أياها بأمثال هذه، وأنما أوردوها موجزين منقحين. وربما أضطروا في الطراغوذيا أيضا الى أن يتركوا محاكاة الافعال الكاملة، ومالوا الى المجزيات، وذلك أكثره في الجزء الذاتي. وقد يخلط بعض ذلك أيضا ببعض الوجوه الآخر كأنها قد دخلت بالاتفاق لتعجب، فأن الذي يدخل بالاتفاق ويقع بالبخت يتعجب منه. وكثير من الخرافات يكون خاليا عن النفع في التخييل، وربما كان بعضها مشتبكا متداخلا به يتحجج، كما أن الافعال من الناس أنفسها: بعضها ينال به الغرض ببساطته وبكونه واحدا متصلا. وبعضها أنما ينال به الغرض بتركيب وتخليط.والمشتبك المشتجر من الخرافات ماكان متفننا في وجوه الاستدلال والاشتمال. وبذلك تنقل النفس من حال الى حال. وأن كل أشتمال وأستدلال يراد به نقل النفس الى أنفعال عن أنفعال بأن يخيل سعادة فينبسط، أو شقاوة فينقبض - فأن الغايات الدنيوية هاتان.وأحسن الاستدلال ما يتركب بالاشتمال. وقد يستعمل الاستدلال في كل شيء ويكون منه خرافة، لكن الاليق بهذا الوضع (190 أ) أن يكون الاستدلال على فعل. فأن مثل هذا الاستدلال وما يجري مجراه من الاشتمال هو الذي يؤثر في النفس رقة أو مخافة كما يحتاج اليه في طراغوذيا؛ ولآن التحسين وأظهار السعادة والتقبيح وأظهار الشقاوة انما يتعلق، في ظاهر المشكور، بالافعال. وأنما يكون لناس كانوا يستدل منهم ويحاكى بهم آخرون يجرون مجراهم في الفعل.

فأجزاء الخرافة بالقسمة الاولى جزءان: الاستدلال والاشتمال. وهاهنا جزء آخر يتبعهما في طراغوذيا، وهو التهويل وتعظيم الامر وتشديد الانفعال، مثل ما يعرض عند محاكاة الافاة الشاملة كالموتان والطوفان وغير ذلك.

فهذه أنواع طراغوذيا.

ووجوه من القسمة الاخرى وما يحسن من التدبير في كل جزء، وخصوصا ما يتعلق بالمعنى قد كان عندهم لكل قصيدة من طراغوذيا أجزاء تترتب عليها في أبتدائها ووسطها وأنتهائها، وكان ينشد بالغناء والرقص ويتولاه عدة. وكان جزؤه الذي يقوم مقام أول النسيب في شعر العرب يسمى"مدخلا". ثم يليه جزء هناك يتبدى معه الرقاص يسمى"مخرج"الرقاص، ثم جزء آخر يسمى"مجاز"هؤلاء. وهذا كله كالصدر في الخطبة. ثم يشرعون فيما يجري مجرى الاقتصاص والتصديق في الخطابة فيسمى"التقويم". ثم كان تختلف أحوال ذلك في مساكنهم وبلادهم، وأن كان لايخلوا من المدخل ومجاز المغنين.

"فالمدخل"هو جزء كلي يشتمل على أجزاء، وفي وسطه يتبدى الملحنون بجماعتهم. و"المخرج"هو الجزء الذي لايلحن بعده الجماعة منهم. وأما"المجاز"فهو الذي يؤدونه المغنون بلا لحن، بل بايقاع وأما"التقويم"فهو جزء كان لايؤدى بنوع من الايقاع يستعمل فيه سواه بل يؤدى بنشيد نوحي لاعمل معه أيقاعي الا وزن الشعر. وكل ذلك تنشده جماعة الملحنين. فهذه أنواع قسمة الطراغوذيا.

ونوع آخر أن بعض أجزاء طراغوذيا يعطي ضنا مخيلا لشيء، ويميل الطبع اليه، وبعضه يعطي النفس ما يحذره ويحفظه على سكونه ويقبضه عن شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت