فهرس الكتاب

الصفحة 257 من 781

ولقائل أن يقول: إن وجود زيد في الحال وفي الاستقبال، إذا اتفق أن استمر فيهما، وكذلك حيوانيته وقعوده المستمران، وغير ذلك، ليست أمورا متجددة بوجه من الوجوه. وكذلك لا كون زيدا قاعدا، ليس مما يتجدد في المستقبل، إذا لم يكن قاعدا في الحال، واستمر. فإن كان الذي في المستقبل هو هذا بعينه الذي في الحال، وهذا مطلق وضروري بشرط، فكيف يكون ممكنا؟ فنقول: إنه يجوز أن يكون شيء في وقت وحال بصفة، وهو بعينه في وقت وحال واعتبار آخر بصفة أخرى. فالوجود والإنسانية والقعود ومقابلاتها هي في أنفسها أمور لبها أحكام أخرى تلحقها مثل: أنها ممكنة ومطلقة. وتلك الأحكام هي بحسب محمولات أخرى تضاف إلى أنفسها. وليس يتجه نظرنا هذا إلى معانيها في أنفسها؛ بل إنما يتجه إلى نسبتها إلى موضوعاتها. ونسبتها إلى موضوعاتها الان ليست نسبتها إلى مطلقة لموضوعاتها، وباعتبار وقت يفرض مستقبلا ممكنة لموضوعاتها. وإن كان وجودها في أنفسها وجودا واحدا مستمرا على استحقاق واحد، فقد لاح من هذا صحة جميع ما أوردناه بدءا، ولاح أيضا أنه حق ما قيل من أن الممكن الخاص والأخص قد يرجع موجب كل واحد على سالبه. فما يمكن أن يكون، يمكن أن لا يكون؛ إذ لا ضرورة لا في أن يكون، ولا في أن لا يكون؛ إذ كل ممكن لا ضرورة فيه بوجه. وما لا ضرورة فيه بوجه ممكن، فما كان يمكن أن يكون لكل واحد، فيمكن أن لا يكون لكل واحد واحد. وما يمكن لبعض، فيمكن أن يكون لذلك البعض. وكذلك إذا كان اعتبار الإمكان إنما هو في السور، فإن ما أمكن أن يكون كله كذا فيمكن أن لا يكون كله، وما أمكن أن يصدق بعضه كذا ولم يكن ضروريا فيه هذا الصدق أمكن أن يصح أنه ولا واحد منه. فإنه إن كان قولنا: ولا واحد، دائم الكذب؛ فقولنا: بعض من حيث هو بعض، دائم الصدق، لا يمكن أن يكذب البتة، فلا يكون صدقه مكنا بل واجبا، وجعلنا صدقه ممكنا. فكل ما هو ممكن أن يكون، يرجع فكون ممكنا أن لا يكو ن، يشترك في ذلك الأكثري والأقلي. لكن يختلف في شيء آخر، وهو أن الأكثري يكون كون أحد طرفيه موجودا مطلقا أكثر والآخر أقل. وليس كونه موجودا أكثر مما هو كونه ممكنا. وهو من حيث اعتبار إمكانه يتساوى انعكاسه إلى السلب، ومن حيث الوجود لا يتساوى. فليس وجود الأكثري وجودا ولا وجوده بمنزلة واحدة من حيث الوجود. وكل ما أكثري وجودا فهو أقلي لا وجودا.وكل ما هو أقلي وجودا فهو أكثري لا وجودا. وأما المتساوي فهو متساو من حيث عكس الإمكان ومتساو من حيث الوجود. ونعني بالأكثري وجوده جميع ما كان وجوده بحسب الواحد في أكثر زمانه، وما كان وجوده لأكثر أشخاص نوع واحد، وإن كان لكل واحد منهما دائما، كأكثرية كون الإنسان ذا خمس أصابع، أو كان موجودا لأكثر الأشخاص في أوقات ليست بأكثر الأوقات، بل أوقات ما كالاحتلام أو كالشيب أو كامتداد القامة، أو يكون لأكثر الأشخاص وفي أكثر الأوقات الغير المحدودة مثل الإبصار بالفعل للناس. والممكنات الأكثرية إما أمور طبيعية كانت يجب لولا عوائق من خارج أو من عصيان المادة مثل الصحة ومثل كون الإنسان ذا خمس أصابع، وإما إرادية تصدر وتجب عن الإرادة لولا عوائق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت