فهرس الكتاب

الصفحة 499 من 781

على أنا نعني بالعلم هاهنا المكتسب. والذي يخالفه أصناف من الاعتقاد: اعتقاد في الشيء الذي هو كذا ضرورة انه كذا، مع اعتقاد أنه لا يمكن ألا يكون كذا، لكن يكون هذا الاعتقاد في نفسه ممكن الزوال، لأنه لم يقع من حيث لا يمكن معه الزوال. واعتقاد في الشيء إنه كذا مع عدم اعتقاد آخر بالفعل بل بالقوة - إذا أُخطر بالبال اعتقد وهو أنه يمكن ألا يكون كذا. واعتقاد في ذلك الشيء أنه ليس كذا - وهذا جهل مضاد للعلم لا يشاركه. لكن اعتقاد أنه يمكن ألا يكون كذا إما أن يعتقده في الموجود كذا الذي ليس من شأنه ألا يكون إلا كذا، أو في الموجود كذا ومن شأنه ألا يكون كذا.وكل واحد من هذين بالحرى أن يسمى ظنا. والأول منهما فإنه ظن صادق مركب يجهل مضاد. وأما الموجود كذا ومن شانه ألا يكون كذا، والاعتقاد فيه أنه كذا مع الاعتقاد أن من شأنه ألا يكون، إن كان لا كونه على أنه جائز في نفسه - لكن الوجود قد غلب - أو جائز في وقت آخر، فهذا نوع من العلم ليس ظنا. ولكنه إن وقع بما يوجبه كان يقينا ما بالشيء على ما هو به. وإن كان على أنه يرى ويحكم أنه موجود، ويخطر بالبال عسى ألا يكون موجودا عندما يفرضه موجودا، حتى يجوز أن يكون اعتقاد وجوده حين يضعه موجودا كاذبا - فهو الظن الصادق المطلق الذي ليس فيه تركيب بجهل مضاد، بل بجهل بسيط: إذ لابد في كل ظن من جهل.

والعلم موضوعه هو الضروري، إما على الدوام فيكون العلم علة الدوام، أو الضروري بالشرط فيكون العلم أيضًا بالشرط. والظن موضوعه الحقيقي الأمور الممكنة المتغيرة التي لا تضبط: فيكون حال الأمر بحسب القياس إلى الوجود حال الرأي فيه بحسب القياس إلى الصحة. وقد يكون الظن المركب بالجهل المركب واقعا أيضًا في الأمور الضرورية. والاعتقاد المؤكد ليس يجب - من حيث هو مؤكد - ألا يعد في الظن.

فتكون ثلاثة أشياء من جملة ما عددناه داخلة في اعتبار الظن: أحدها، الاعتقاد بالشيء الموجود مثلا أنه موجود، والاعتقاد معه أنه لا يمكن ألا يكون موجودا مع جواز استحالة هذا الاعتقاد. فإن هذا بالحقيقة ليس علما، بل ظنا. والثاني الذي سميناه الظن الصادق المركب بالجهل المركب. والثالث الذي سميناه الظن الصادق المركب بالجهل البسيط. وتشترك هذه كلها في شيء واحد وهو أنه عقد في الشيء أنه كذا، ممكن أن يلحقه العقد أنه لا يكون كذا. وذلك لأن الأول منهما إذا كان جائز الاستحالة، فليس ممتنعا في طباعه أن يقرن به عقد إمكان ألا يكون الشيء - إما ابتداء وغير طارئ على العقد الآخر الذي معه - وإما فاسخا للعقد الآخر الذي معه وهو الحق.

وكذلك حال العقد الثاني المركب بالعقد الباطل، ويقابل عقد صاحب العقد الأول، لأن ذلك كان يعتقد أنه لا يمكن ألا يكون ما اعتقد كونه؛ وهذا يعتقد أنه يمكن ألا يكون ما اعتقد كونه. وأما العقد الثالث فإن الاعتقاد المذكور مقارن معه بقوة أو بفعل.

وكل واحد من أقسام الظن قد يكتسب بواسطة توقع الظن، كما أن العلم يكتسب بواسطة توقع العلم، فإنه ليس كل واسطة غير ضرورية إلزام الأكثر، تدعو إلى ممتنع، بل قد تدعو إلى أمر واجب.

والعلم بالجملة مخالف للظن في هيئة العقد وفي الأمور التي العلم أولى بها. وكما أنه قد يقع لإنسان في هذا الشيء علم، ولآخر ظن، فكذلك يمكن أن يكون يقع لهذا علم بمبادئ ذلك العلم تتدرج حتى تنتهي إليه، وان يقع للآخر ظن بتلك المبادئ والمقدمات، فيتدرج إلى ذلك الظن الذي هو نتيجة لها. فيكون الأول يرى في تلك المقدمات والنتيجة رأيا صادقا، ويرى أنها لا تتعير عما هي عليه وأما هذا الثاني فيكون رأيه فيها صادقا إلا أنه خال عن الرأي الثاني، أو مجوز لغير ما يراه لحال يجوز أن يستحيل. فيكون الأول يعلم أن الشيء موجود، ويعلم لم هو موجود؛ وهذا الثاني يظن أنه موجود، ويظن أنه لم هو موجود. وإن لم يكن ذلك بمتوسطات، فيظن أنه موجود فقط، ولا يظن لم هو موجود.

وعلى الأحوال كلها فليس العلم والظن شيئا واحدا - وإن كان قد يقع في شيء واحد علم وظن كما يقع ظنان مختلفان: صادق وكاذب. ولا يمكن أن يكون في إنسان واحد ظن وعلم معا، ولا ظن صادق وظن كاذب معا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت